الاثنين، ديسمبر 27، 2010

إبراهيم بن أدهم الصوفي الذي ترك الملك لأجل الآخرة

ترجمته
هو  أبو إسحـٰـق إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد العِجلي البلخي، ولد ببلخ وهي المدينة العظيمة التي شهدت أكبر حركة تنزع نحو التصوف والإقبال على الآخرة. قال ابن معين: هو من العرب من بني عجل، وقال قتيبة: هو تميمي كان بالكوفة، وقال الفضل الشيباني: حج أبوه أدهم بأمه فولدت إبراهيم بمكة فجعلت تطوف به في المسجد وتقول للناس: ادعوا لابني أن يجعله الله رجلًا من الصالحين.
جملة من مناقبه
لقد كان إبراهيم بن أدهم واحدًا من هؤلاء الصالحين الذين كانوا من أبناء الملوك، إذ كان والده ملكًا من ملوك خراسان وكان سبب زهده أنه خرج مرة إلى الصيد فسمع هاتفًا يقول له: يا إبراهيم، ما لهذا خُلِقْتَ ولا بذا أُمرتَ، فحلف ألا يعصي الله تعالى، وترك ملك أبيه فأكثر من السفر في طلب العلم والازدياد من الطاعات.
هذه الحادثة وغيرها دعته إلى الإعراض عن الدنيا والإقبال على الطاعات، ومما  جاء في تفصيل هذه الحادثة ما رواه الحافظ أبو نعيم في «حلية الأولياء» على لسانه أنه قال: لقد كان أبي من أهل بلخ وكان من ملوك خراسان، وكان من المياسر وحبب إلينا الصيد فخرجت راكبًا فرسي وكلبي معي، فبينما أنا كذلك إذ ثار أرنب أو ثعلب فحركت فرسي فسمعت نداء من ورائي: يا إبراهيم، ما  لذا خُلِقْتَ، ولا بذا أُمرتَ، فوقفت أنظر يمنة يسرة فلا أرى أحدًا، ثم حركت فرسي فسمعت نداءً أجهر من الأول: يا إبراهيم ما لذا خلقت ولا بذا أُمرت، ثم عاد الهاتف مرة ثالثة فقال كما قال في الأولى والثانية، فقلت: أنبهتَ.. أنبهتَ، جاءني نذير من رب العالمين، والله لا عصيتُ الله بعد يومي هذا ما عصمني ربي.
وروى جلال الدين الرومي أن رجال الحراسة في مقر إبراهيم سمعوا ذات ليلة ضجة كبيرة فوق سطح القصر، فإذا بقوم يدعون أنهم يبحثون عن إبلهم الضالة، فاقتيدوا إليه فسألهم: هل حدث  أن تفقَّد امرؤ إبله فوق سطوح المنازل فقالوا: نحن لا نعمل إلا اقتداءً بك أنت الذي تسعى إلى الفناء في حب الله في الوقت الذي أنت فيه جالس على عرشك، فهل لرجل في مثل هذا المقام أن يكون قريبًا من الله فهرب من القصر ولم يَرَه أحد منذ ذلك الحين.
ومن ذلك أيضًا أنه نام يومًا فرأى رجلًا  بيده كتاب فتناوله وفتحه فإذا فيه مكتوب بالذهب: لا تؤثرنَّ فانيًا على باقٍ ولا تفرحنَّ بملكك، فإن ما أنت فيه جسيم إلا أنه عديم، فانتبه من نومه فزعًا وقال: هذا تنبيه من الله وموعظة.
زهده وأمانته
ترك إبراهيم بن أدهم المُلك والجاه فكان يلبس في الشتاء فروًا ليس تحته قميص، وفي الصيف شقة بدرهمين، ولم يكن يلبس خفين ولا عمامة، وكان كثير الصيام في السفر والحضر، قليل النوم كثير التفكر، وكان يأكل من عمل يده في  حصاد الزرع وحراسة البساتين.
ومما يروى عن زهده وأمانته ما رواه أبو نُعَيم في حليته عن داود بن الجراح أن إبراهيم بن أدهم كان يحرس بستانًا في غزة فجاء صاحب البستان ومعه أصحابه فقال له: إيتنا بعنب نأكل، فأتاه بعنب فإذا هو حامض، فقال صاحب البستان: من هذا تأكل قال: لا ءاكل من هذا ولا من غيره، قال له: فأتني برمان، فأتاه برمان فإذا هو حامض، فقال: من هذا تأكل قال إبراهيم: لا ءاكل من هذا ولا من غيره، ولكن رأيته أحمر حسنًا فظننت أنه حلو، فقال صاحب البستان: لو كنت إبراهيم بن أدهم ما عدا! قال ذلك وهو لا يعرف أنه هو.
وروى أبو نعيم عن أبي إسحـٰـق الفزاري أنه قال: كان إبراهيم بن أدهم في شهر رمضان يحصد الزرع بالنهار ويصلي بالليل، فمكث ثلاثين يومًا لا ينام بالليل ولا بالنهار.
وعن يحيى بن عثمان عن بقية أنه سأل رفيقًا لإبراهيم: أخبرني عن أشد شىء مَرَّ بك منذ صحبته، فقال: كنا يومًا صائمين فلما كان الإفطار لم يكن عندنا شىء نفطر عليه، فأتينا باب الرستن فأكرينا أنفسنا لرجل في حصاد بستانه ونحن صيام، فلما كان المساء أخذنا أجرتنا فأتيت السوق فاشتريت ما احتجت إليه وتصدقت بالباقي، فقال إبراهيم:  أما نحن فقد استوفينا أجرينا فليت شعري هل وفيناه حقه أم لا فلما رأيت ذلك غضبت، فلما رأى غضبي قال: لا بأس، تضمن لي أنّا أوفيناه عمله فأخذت منه الطعام فتصدقت به، فهذا أشد شىء مر بي منذ صحبته.
ومما يؤكد زهده وعزوفه عما في أيدي الناس ما رواه أبو الحسين الجرجاني عن علي بن بكار أنه قال: كنا جلوسًا عند الجامع بالمصيصة (وهي مدينة في الشام يقال لها المنصورة أيضًا) وفينا إبراهيم بن أدهم، فقدم رجل من خراسان فقال: أيكم إبراهيم بن أدهم فقال القوم: هذا، فقال: إن إخوتك بعثوني إليك، فلما سمع ذكر إخوته قام فأخذه بيده ونحّاه فقال: ما جاء بك قال: أنا مملوكك مع فرس وبغلة وعشرة ءالاف درهم بعث بها إليك إخوتك، فقال: إن كنتَ صادقًا فأنت حر وما معك فلك، اذهب فلا تخبر أحدًا.
ومن أخبار أمانته ما ذكره ابن الجوزي في «صفة الصفوة» عن أحمد بن داود أنه قال: مر يزيد بإبراهيم بن أدهم وهو ينظر بستانًا فقال: ناولنا من هذا العنب، فقال إبراهيم: ما أذنَ لي صاحبه، فقلب يزيد السوط وجعل يضربه به، فطأطأ إبراهيم رأسه وقال: اضرب رأسًا طالما عصى الله عز وجل، فتوقف الرجل عنه.
كراماته
معلوم عند المسلمين أن بعض الأولياء يصدر منهم كرامات، وهي أمور خارقة للعادة تكون دليلاً على صدق اتباعهم لنبيهم. وقد كثر في أمة محمد صلى الله عليه وسلم الكرامات، وكان إبراهيم بن أدهم واحدًا من أولئك الذين حصلت على أيديهم أمور كهذه، منها ما ذكره يوسف النبهاني في «جامع كرامات الأولياء» وهو أن قومًا أتوا إلى إبراهيم بن أدهم فقالوا: يا أبا إسحـٰق، إن الأسد واقف على طريقنا، فأتى إبراهيم إلى الأسد فقال: يا أبا الحارث إن كنتَ أُمِرْتَ فينا بشىء فامض لما أُمرتَ به، وإن لم تؤمر بشىء فتنحَّ عن طريقنا، فأدبر الأسد يهمهم.
وفي «روض الرياحين» كرامة  أخرى له، وهي أنه أراد ركوب سفينة، فأبى الملاح إلا أن يأخذ دينارًا، فصلى إبراهيم ركعتين وقال: اللهُمَّ إنهم سألوني ما ليس عندي وهو عندك كثير، فصار الرمل دنانير فأخذ واحدًا دفعه له ولم يأخذ غيره.
ومن كراماته التي حصلت له في المصيصة أنه خرج إلى مرج من مروج الشام فالتقى بأناس  يوقدون نارًا حولهم خوف السباع، فطلبوا منه أن ينضم إليهم فأبى وجلس في ناحية وحيدًا، وبينما هو يصلي الليل إذ أتته ثلاثة أسود فتقدم الأول إليه فشمه وطاف حوله ثم تنحى ناحية فربض، ثم جاء الثاني ففعل كفعل الأول، ثم الثالث  ففعل كفعل الأولين، فلما  دخل السَّحَر  قال للأسود: ما الذي جاء بكم أتريدون أن تأكلوني امضوا، فقامت الأسود فتركته وذهبت، وكل ذلك على مرأى من القوم.
حِكَمه ومواعظه
من جملة حِكَمه التي أُثرت عنه ما قاله في رسالة إلى سفيان الثوري يقول فيها: مَنْ عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، ومن أطلق بصره طال أسفه، ومن أطلق أمله ساء عمله، ومن أطلق لسانه قتل نفسه.
ومن درره الحِكَمية قوله: «قلة الحرص والطمع تورِث الصدق والورع، وكثرة الحرص والطمع تورث الهم والجزع».
وعن أحمد بن خضرويه أن إبراهيم بن أدهم قال لرجل في الطواف حول الكعبة: «اعلم أنك لا تنال درجة الصالحين حتى تجوز ست عقبات: أولاها أن تغلق باب النعمة وتفتح باب الشدة، والثانية أن تغلق باب العز وتفتح باب الذل، والثالثة أن تغلق باب الراحة وتفتح باب الجهد، والرابعة أن تغلق باب النوم وتفتح باب السهر، والخامسة أن تغلق باب الغنى وتفتح باب الفقر، والسادسة أن تغلق باب الأمل  وتفتح باب الاستعداد للموت».
وفاته
ذكر صاحب «جامع كرامات الأولياء» أنه توفي في بلاد الشام سنة مائة واثنين وستين للهجرة، وأنه دفن في جبلة من سواحل سوريا، وروى عن المنادي أنه قال: وقد زرته والحمد لله في جبلة وحصلت لي بركته، وله مزار عظيم وجامع كبير قديم، وأوقاف كثيرة. وقال ابن الجوزي في «صفة الصفوة» إنه توفي بالجزيرة وحمل إلى صور فدفن فيها.      


الأحد، ديسمبر 26، 2010

مناهج المستشرقين في دراسه الفكر الاسلامي

إن للفكر الإسلامي مفاهيم لها ذاتيتها واستقلالها، قد تتطور مصطلحاتها تبعاً لتطور الحياة، ولكن مضامينها تظل ثابتة وراسخة وإلا تلاشت القاعدة التي تؤكد أن الإسلام من المرونة بحيث تستوعب أصوله تطور الحياة مكاناً وزماناً· وإذا كان الفكر الإسلامي قد ظل عدة قرون سليماً معافى وحائلاً دون أي تسلل لفكر دخيل، فإننا لا ننكر أن بداية اقتحام الفكر الدخيل محراب الفكر الإسلامي الأصيل قد تمت منذ وقت غير يسير عندما أخذ يدب الخلاف بين المسلمين، وأصبحت تطفو مذاهب وفرق وأحزاب شتى كل واحد منها يدعو إلى ما يخيل إليه أنه عين الصواب، وقد كان ذلك بسبب عدم استقامة في التفكير أو سبب ضعف الإيمان في النفوس مما أدى إلى التحلل من الالتزام بأسس الكتاب والسنة وتوجيهاتهما، يقول تعالى }فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} النساء59 .
وفي العصر الحديث ظهرت محاولات تغريبية لإذابة الفكر الإسلامي واستهدافه استندت إلى بعض رواسب الفكر المنحرف الذي سبق أن أثقل كاهل الفكر الإسلامي الأصيل، وقد امتدت جذور هذه الرواسب إلى يومنا هذا تتحدى الإسلام عقيدة وشريعة ونظاماً، فكان هناك فكر منحرف نابع من داخلنا يتكلم باسم الإسلام ويتحدث باسم المسلمين، في حين كان هناك خطاب أجنبي يواجه الإسلام بعداوة سافرة يريد النيل من الإسلام عقيدة وفكراً وأسلوباً ومنهجاً وأكثر من يضطلعون به هم المستشرقون.
ان بحث وتحليل الخطاب الاستشراقي وموقفه من الفكر الإسلامي ليس بالأمر الهين، ذلك أن أية دراسة للمنهجية الغربية وتطبيقاتها المختلفة على الإسلام لا يمكن أن تتحقق بشكل تام، إذ ان المدى الجغرافي الشاسع الذي تكتسحه المنظومة الاستشراقية لا تكاد تغطيه دراسة واحدة أو دراسات، أضف إلى ذلك مشكلة اللغات العديدة التي يستخدمها مختلف المستشرقين، فالدارس العربي الذي يعرف الفرنسية  الإنجليزية والألمانية يتمتع بميزة كبرى لكنها نسبية فقط، إذ هناك دراسات مفيدة في الموضوع بلغات أخرى·وسأحاول فيما يلي إبراز وتحديد آليات الخطاب الاستشراقي حيال الفكر الإسلامي مع بيان اهم مستوياته ومختلف المواقف التي وقفها الفكر الاستشراقي إزاء هذا الموضوع·
آليات ومواقف الخطاب الاستشراقي حيال الفكر الإسلامي
إنه من الناحية المبدئية يجب على المثقف والباحث المسلم رفض نتائج بحوث المستشرقين في دراستهم للفكر الإسلامي، ولكن مادامت تلك البحوث أمراً واقعاً وهي تغطي مساحات واسعة في مجال البحث التاريخي ولها وزنها وثقلها في الدوائر الأكاديمية وداخل الأوساط الطلابية بجامعاتنا العربية فلابد أن نتعامل معها على أساس الدراسة والنقد والتمحيص، ثم إن مناقشة أي من هؤلاء على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم ممن تناولوا موضوعات الفكر الإسلامي على مستوى التفاصيل والجزئيات لا تغني شيئاً لأنها ستكون بمثابة نقد موقوت لا يصل إلى بحث الجذور العميقة التي ستظل تنسج آراء هدامة وسلبية·
إننا لا ننكر أن الاستشراق بشقيه التقليدي والمعاصر قد قدم للفكر الإسلامي أشياء كثيرة نافعة لا يمكن تجاهلها وهي تتمثل في كثير من محاولات تحقيق التراث والنشر والتبويب والفهرسة، فضلاً عن التوجيه إلى الأخذ بالمناهج الحديثة في البحث والدراسة·
لقد قام المستشرقون بنشر الكثير من نفائس التراث الإسلامي نشراً علمياً ليس بيسير الانتفاع به، وهذا فضل للاسشراق لا يمكن غض الطرف عنه مهما تكن بواعث المستشرقين في ذلك·
إننا لا نرفض دراسات المستشرقين في مجال الفكر الإسلامي بشكل مطلق ولكننا نرفض الفكر الذي يعادي الإسلام، فنحن نرحب بكل فكر ما دام ليس فيه عدوان على الإسلام، لكن يبدو ان دراسات القوم في هذا المجال ليست جميعها على شاكلة واحدة فهناك مناهج متعددة وخطابات متباينة سنعرض لها فيما يلي:
المنهج العدواني في دراسة الفكر الإسلامي
لعل ابرز ما يميز هذا المنهج هو ذاتيته ومجانبته الكاملة للموضوعية إلى جانب عدوانيته السافرة وهو ما حدا بنا إلى وصفه بالمنهج العدواني في دراسة الفكر الإسلامي، وهذا المنهج المتطرف قد شكلته المدرسة الاستعمارية الاستشراقية التي تزعمها كل من الاستشراق الإنجليزي والاستشراق الفرنسي، وتجدر الإشارة بهذا الصدد إلى أن الدكتور محمد البهي رحمه الله قد وضع كتابه (الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي) (2) لفضح هذه السياسة الاستعمارية وما أفرزته من مدارس استشراقية تحمل طابعاً إيديولوجياً قبل الطابع العلمي، مما دفعها إلى التسلح بالأحكام المسبقة والإسقاطات المضللة·ويمكن القول بأن أصحاب هذا المنهج العدواني من المستشرقين قد واكبوا في أبحاثهم ودراساتهم عملية الغزو العسكري للدول الغربية والإسلامية وذلك بفتح الجبهات الثقافية والفكرية للعدو المحتل وهو ما يتمثل في قيام بعض المستشرقين بإبراز الخلافات المذهبية والفكرية والتأكيد على الفجوات والثغرات بين طوائف المسلمين وشعوبهم وذلك من الوجهة الشعوبية أو الجغرافية أو التاريخية، مع شرح كثير من مبادئ الإسلام شرحاً يشوهها وينحرف بها عن اهدافها الأصلية وذلك كله بالإضافة إلى تمجيد الفكر الغربي وإظهار تفوقه على الفكر الإسلامي·
وهذا الصنف من المستشرقين يسعى إلى التأكيد على أن الإسلام ليس واحداً إنما هو متعدد حسب شعوبه وحسب اختلاف العوامل الثقافية التي تأثر بها مسلمو هذه الشعوب من فهم الإسلام، فهناك إسلام سني وإسلام شيعي وإسلام أوروبي· ثم يذهبون أيضاً إلى أن الإسلام هو متعدد حسب طوائف المسلمين، فهناك إسلام المتصوفة وإسلام الفقهاء والإسلام الحركي والإسلام الشعبي والإسلام السياسي والإسلام الراديكالي إلى غير ذلك·
ولعل من المفيد التنبيه إلى أن المنهج العدواني المصاحب للمدرسة الاستعمارية في الاستشراق قد وضع نفسه ضمن إطار حضاري شمولي هو إطار المركزية الأوروبية التي تقوم على مبدأ أهلية وأحقية الإنسان الأوروبي في التمدن والتقدم ونفي هذه القابلية عن غيره، وهو يقوم على الزعم بخمول العقل العربي وتحجر الفكر الإسلامي وتعلقه بالتقاليد الموروثة منذ القدم وعجز عقل الإنسان القاطن في جو الصحاري الحار على الابتكار والإبداع·
وهكذا يمكن القول بأن الغرب قد حاول في المرحلة الاستعمارية أن يكتشف الفكر الإسلامي من جديد لا من أجل تعديل ثقافي بل من أجل تعديل سياسي لوضع خططه السياسية مطابقة لما تقتضيه الأوضاع في البلاد الإسلامية من ناحية، ولتسيير هذه الأوضاع طبق ما تقتضيه السياسيات الغربية لتسيطر على الشعوب الخاضعة فيها لسلطانها، وقد حاول المستشرقون المتعاونون مع الإستعمار إضعاف المقاومة الروحية و المعنوية في نفوس المسلمين، وذلك بالتقليل من أهمية قيم الفكر الإسلامي الأصيل ومحاولة تلفيق فكر دخيل أريد له أن يحل محل الفكر الإسلامي الصحيح·
ومن أجل تحقيق هذه الأغراض سعى أصحاب المنهج العدواني في دراسة الفكر الإسلامي إلى تقويض أسس ومبادئ الفكر الإسلامي بوسائل شتى تنطلي خطورتها على غير القلة من المتخصصين· ومن بين تلك الوسائل ما يلي:
منهج الأخذ بالنزعة التأثيرية
ويعني نزعة التأثر والتأثير وهي نزعة دراسية يأخذ بها كثير من المستشرقين الذين اعتادوا رد كل عناصر منظومة الإسلام بعد تجزئتها إلى اليهودية والنصرانية أو إليهما معاً· لقد ظهر في عام 1837 كتاب أبراهام غايغر حاملاً العنوان المثير "ماذا أخذ القرآن عن اليهودية؟"  (2) فكان ذلك إيذاناً ببداية حقبة جديدة في نطاق هذه النزعة اتخذت مسوح "العلمية الموضوعية" وأقبلت على تجاذب الفكر الإسلامي وتقطيع أوصاله، فالمستشرقون اليهود أمثال غايغر وجولدزيهر وبرنارد لويس مالوا إلى إبراز دعوى تأثر الإسلام باليهودية· والمستشرقون النصارى مالوا إلى إظهار العناصر المسيحية في الإسلام، لكن أحداً منهم لم يلتفت إلى كيفية صيرورة الإسلام ديناً مستقلاً ذا منظومة شاملة ومتناسقة العناصر برغم تكونه المزعوم من شذرات متناقضة، وهذه النزعة التأثيرية تشكل خطورة كبيرة على وحدة الفكر الإسلامي وأصالته لأنها تقضي على الأفكار الإسلامية قضاء مبرماً، والأحكام التعسفية المرتبطة بهذا المنهج تكون حاضرة في كتابات المستشرقين كلما وجد تشابه بين الأفكار الإسلامية وغيرها من الأفكار الأجنبية مهما كان التشابه كاذباً ملفقاً وغير حقيقي· إن الخطاب الاستشراقي في دراسته للتصوف الإسلامي مثلاً يرجعه إلى أصول خارجية كالعنصر الفارسي أو الهندي لا لشيء إلا لوجود عناصر متشابهة بين التصوف الإسلامي والتصوف الفارسي مثلاً·
وهذا الخطاب لا يؤمن بأن التصوف الإسلامي الخالص مرده إلى عناصر القوة الروحية في الإسلام وإلى قضايا ترتبط بالزهد والعبادة· إن تأثر المستشرقين بمنهج الأثر والتأثر (3) راجع إلى كون هذا المنهج قد طبق بصورة صارمة في بيئتهم، ذلك أن النهضة الأدبية الأوروبية قد تأسست على الحضارة اليونانية، وما أنشئ مذهب فكري وديني جديد إلا ووجد له نظير في الحضارة اليونانية القديمة، ومن خلال هذا الحكم تم تطبيق هذا المنهج على الفكر الإسلامي دون أدنى اكتراث بخصوصيات الفكر الإسلامي ذي الأصول والأسس الواضحة المؤسسة على معايير دينية وبيئية أصيلة مستمدة من القرآن والسنة النبوية·

القول بالإنشطارية
الانشطارية تعني الفصل بين القيم المتكاملة في الفكر الإسلامي والقول بعجزها عن التفاعل والترابط وعدم قدرتها على الاستيعاب والتكامل· والمستشرقون الغربيون يعون جيداً مدى تكامل المعرفة الإسلامية والفكر الإسلامي المبني أساساً على التكامل بين قيمه ومثله والترابط بين مختلف جوانبه، ولكنهم عندما يحاولون دراسة بعض مباحث الفكر الإسلامي فإنهم يسعون جاهدين إلى تجزئتها وعزل بعضها عن بعض بقصد التأكيد على استحالة التقاء عناصر القوة والتكامل في كل واحد· وقد نحا الخطاب الاستشراقي الحديث هذا المنحى بناء على سيادة روح الانشطارية في الفكر الغربي أصلاً ومحاولة تطبيقها على الفكر الإسلامي وتجدر الإشارة إلى أن الإنشطارية في الفكر الغربي قد انطلقت من منطلق الفصل بين الدين والدنيا، فترتب عنها تقبل هذا الفكر لكل الإيديولوجيات والمناهج الاجتماعية والمذاهب الاقتصادية مهما تنوعت اتجاهاتها ما دامت لا تخضع للدين، أما في الإسلام فإن المسلم يوفق بين الدين والدولة والعبادة ومنهج الحياة، كل ذلك لا ينفك ولا ينفصل·
ولعل أبرز ما وصلت إليه الانشطارية في الفكر الغربي وحاول المستشرقون تطبيقه على الفكر الإسلامي هو الدعوة إلى الانفصال بين الحاضر والماضي، فإنكار الماضي كلية مع الدعوة إلى الانفصال عنه تعتبر من خصائص الفكر الغربي، وهو مايحاول بعض المستشرقين نقله إلى الفكر الإسلامي، ولذلك نجد ثلة منهم يرمون التراث الإسلامي بكل مهانة وانتقاص، بل انهم ينكرون على زملائهم من التقليديين إضاعة الوقت في تكريس الاتجاهات المطلوبة )مواقف مكسيم رودنسون وبرنارد لويس)· ولذلك فإن معظم المستشرقين لا يسلكون مسلك المسلمين في التدليل على قيمة الإسلام وتراثه الخالد في صلته بالحياة·
انهم ينكرون ان يكون للفكر الإسلامي المعاصر أصول ومعالم لا تتغير ترجع إلى الأصول الأولى للإسلام، إذ الفكر الإسلامي الصحيح "هو الذي يحافظ على قيمة الإيمان بالإسلام، وقيمة المبادئ التي جاءت بها رسالة الإسلام للإنسان في حياته الفردية أو مجتمعه مع غيره" (5)·إن الفكر الإسلامي هو التعبير عن منظومة الإسلام بكل شمولها وعموميتها في العقيدة والشريعة والسياسة والاجتماع والتربية والأخلاق، إذ لا يمكن بحال - كما يريد المستشرقون - الفصل بين الإسلام والفكر الإسلامي، فمنابع الفكر الإسلامي تتسع لمصادر التشريع ولكنها لا تقف عند حدودها بل تتجاوزها إلى منبع أصيل هو الرأي الذي هو ثمرة الاجتهاد، وإذا كانت مصادر التشريع هاته هي المكونات لبناء الإسلام ديناً ودولة، عقيدة وشريعة، نظاماً وسلوكاً فإن الفكر الإسلامي هو حارس هذا البناء لا يمكن تمييزه عنه أو القول بفصله عن الماضي أو أصول الإسلام·
محاولة تغريب الفكر الإسلامي
هذه المحاولة تكاد تكون مصاحبة لكل مراحل الاستشراق ومتداخلة مع كل التيارات· لقد كشف هاملتون جب في كتابه <وجهة الإسلام" إن هدف البحث هو معرفة: <إلى أي حد وصلت إليه حركة تغريب الفكر الإسلامي وما هي العوامل التي تحول دون تحقيق هذا التغريب" (6)، ويمكن لقارئ الكتاب أن يكتشف أبرز مناهج التغريب التي يسقطها المستشرقون على الفكر الإسلامي الحديث·
ومصطلح التغريب هذا يقصد به خلق عقلية جديدة تعتمد على تصورات الفكر الغربي ومقاييسه ثم تحاكم الفكر الإسلامي من خلالها بهدف تسييد الحضارة الغربية على غيرها ولا سيما الحضارة الإسلامية وإظهار تفوق الفكر الغربي على الفكر الإسلامي· وقد حاول علماؤنا الأسلاف عبر القرون الحيلولة دون هيمنة الفكر الوافد أو العقلية الخارجية المتمثلة في ثقافات اليونان والهنود والمجوس واليهود، وتمثل مختلف صور المقاومة هاته أبرز ملامح تاريخ الفكر الإسلامي، وقد ظل أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث يتنبهون إلى خطورة المناهج التغريبية في مجال الفكر الإسلامي ويواجهون أخطر المحاولات الدائمة في سبيل تحريف أصوله وأسسه ومرتكزاته الأصيلة، إن سياسة تغريب الفكر الإسلامي من طرف الخطاب الاستشراقي يتمثل أساساً في حمل المسلمين على قراءة تاريخهم وفكرهم من خلال مناهج الغرب ومقاييسه ومحاولة خلق "دائرة فكر"تهدف إلى تحطيم المسلمات والبدايات التي يؤمن بها المسلمون، وانتقاص الفكر وإشاعة الشبهات والطعون والتقليل من أهمية التراث·.
بقلم الدكتور حسن عزوزى

الهوامش
1)    يعتبر الكتاب الذي طبع طبعات متعددة من أبرز الكتب التي تصدت لمحاولات تشويه معالم الفكر الإسلامي وتجفيف منابعه، ويقع الكتاب في أكثر من ستمئة صفحة·
2)    Abraham Geiger: Was hat Muhammad aus dem Judentum aufgenom men
3)    لقد كان المستشرق الإسباني بالاثيوس Palacios أشهر من هيمنت على كتاباته فكرة التأثير والتأثر بين الإسلام والمسيحية وخاصة في كتابه "الإسلام في ثوب نصراني" Islam   christianise  باريس· (1982)
4)    محمد البهي: الفكر الإسلامي في تطوره ، مكتبة وهبة، القاهرة ط2/ 1981 ص 12
5)    5) Hamilton Gibb: Les tendances modernes de lصIslam Paris 1949 .



الهندي الجديد يستنسخ في فلسطين

انتابني شعور بالهلع حين سمعت مصطلح الفلسطيني الجديد لأنه بدا استعادة لتجربة صناعة الهندي الجديد، التي تعد إحدى الجرائم التاريخية الكبرى.

(1)

الذي تحدث عن الفلسطيني الجديد هو الجنرال كيث دايتون الذي يتولى رسميا وظيفة المنسق الأمني وهو يقيم في تل أبيب ملحقا بالسفارة الأميركية هناك. أما وظيفته الفعلية فهي الإشراف على تهيئة الأوضاع في الضفة الغربية بحيث تتوافق تماما مع الرغبات والمخططات الإسرائيلية. وهى المهمة التي يحتل رأس أولوياتها تهدئة الهواجس الأمنية الإسرائيلية. من خلال تخليق جيل من الفلسطينيين نافر من المقاومة ومتصالح مع الإسرائيليين.

الفلسطيني الجديد الذي يريده دايتون كائن ممسوخ الذاكرة، لا تاريخ يحثه ولا حلم يشده ولا أمل يتعلق به، وإنما هو مشغول بالتوافق مع المحيط المفروض عليه، ومهجوس بالدفاع عن سلطة منفصلة عن الأمة، ومحتمية بعدوها التاريخي

“من هذه الزاوية يغدو الفلسطيني الجديد كائنا ممسوخ الذاكرة، لا تاريخ يحثه ولا حلم يشده ولا أمل يتعلق به، وإنما هو مشغول بالتوافق مع المحيط المفروض عليه، ومهجوس بالدفاع عن سلطة منفصلة عن الأمة، ومحتمية بعدوها التاريخي. المقاومة عنده إرهاب، وفصائل النضال من بقايا عهد بائد عفا عليه الزمن. و”التعاون” مع الإسرائيليين إسهام مرغوب في الاستقرار، وليس مجلبة للعار.

هذا الفلسطيني الذي يريدونه كائن غير الذي نعرفه. ومهمة الجنرال دايتون هي العمل على الإسراع بإنتاجه، كي يتسلم الزمام ويريح بال الإسرائيليين. والجهد الذي يبذله يتوزع على دوائر ثلاث هي: سلطة الإدارة والأجهزة الأمنية والمواطنون العاديون. ومن الواضح أن كل التركيز في الوقت الراهن موجه إلى الدائرتين الأوليين. لأن ترويض الفلسطيني العادي مهمة بالغة المشقة وتحتاج إلى وقت طويل.

لقد كانت الرسالة الشهيرة التي وجهها ياسر عرفات باسم منظمة التحرير إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين (سبتمبر 1993) بداية مرحلة ترويض القيادة الفلسطينية واستسلامها في أوسلو للضغوط الإسرائيلية. ولعل كثيرين يذكرون أن عرفات أعلن وقتذاك الاعتراف بإسرائيل ونبذ الإرهاب (في إدانة صريحة للمقاومة) مؤكدا أن كل القضايا العالقة ستحل بالمفاوضات، الأمر الذي أغلق الأبواب أمام أي بدائل أخرى في حسم الصراع. وهذه البداية شقت منحدرا انتهى إلى حيث اعتبر خلفه أبو مازن أن المقاومة عمل «حقير»، وإلى حيث أصبح التنسيق الأمني قائما بين السلطة الفلسطينية وبين سلطة الاحتلال للقضاء على المقاومة واستئصال عناصرها. وهى القرائن التي دلت على أن ثمة سلطة «جديدة» نالت رضا الإسرائيليين وتأييدهم. الأمر الذي هيأ مناخا مواتيا للتقدم نحو تخليق الفلسطيني الجديد في الأجهزة الأمنية. وهى المهمة التي تصدى لها الجنرال دايتون، وساندته فيها بقوة الرباعية الدولية.


(2)

في مطلع شهر مايو/أيار الماضي ألقى الجنرال دايتون محاضرة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، تحدث فيها عن جهوده في إنتاج الفلسطيني الجديد المنخرط في الأجهزة الأمنية. فقال إن عناصر تلك الأجهزة تم انتقاؤهم من خارج الفصائل، أي من خارج السياسة والدوائر ذات الصلة بالنضال (الإرهاب). بحيث يتحول الواحد منهم إلى شرطي ينتمي إلى مهنة أكثر من انتمائه إلى وطن أو قضية. وعلى حد تعبيره فإن الشرطي يلقن ابتداء أنه يعد لكي لا يحارب إسرائيل، ولكن لكي يحفظ النظام ويطبق القانون لهدف أساسي هو: العيش بأمن وسلام مع الإسرائيليين.

إلى جانب الإعداد العسكري لأجهزة الأمن، فهناك الإعداد النفسي الذي يستهدف تغيير طريقة تفكير ذلك الجيل الجديد من الجنود، الذين يعملون تحت قيادة ضباط سبقوهم في التعاون والتنسيق الأمني مع الإسرائيليين، وهذا التنسيق له هدفان أساسيان هما ملاحقة عناصر المقاومة وإجهاض عملياتها. والحيلولة دون تصعيد التوتر بين الجماهير الفلسطينية وقوات الاحتلال.

الجندي الفلسطيني “الجديد” أصبح لا يتردد في تنفيذ تعليمات مطاردة أو خطف واغتيال المقاومين. والضابط الجديد أصبح على تنسيق يومي مع الإسرائيليين. حتى تباهى الجنرال دايتون بأن التعاون بين الضباط الفلسطينيين ونظرائهم الإسرائيليين حقق نجاحا كبيرا أثناء العدوان على غزة، لأنه ساعد على تهدئة الأمور في الضفة، لدرجة أن الضباط الفلسطينيين كانوا يطلبون من الإسرائيليين الاختفاء عن الأنظار لساعة أو ساعتين من بعض المواقع، كي تمر المظاهرات دون أن يستفزها وجودهم. وذكر أن ذلك “التفاهم” حقق نتائج مدهشة في بيت لحم لدرجة أن القائدين الفلسطيني والإسرائيلي تبادلا ثقة أدت إلى رفع حظر التجول في المدينة رغم أنه مطبق في الضفة كلها منذ عام 2002. كما أنها سمحت للفلسطينيين بإدارة نقاط التفتيش الخاصة بهم لوقف عمليات التهريب.

“عملية إنتاج الفلسطيني الجديد منزوع العداء لإسرائيل اعتمدت لها الولايات المتحدة 161 مليون دولار ويديرها الجنرال دايتون حقا، ولكن بمساعدة فريق أمني من كندا والمملكة المتحدة وتركيا. أما معسكرات تأهيل أولئك الضباط والجنود فتتم في الأردن. وهذا الفريق الأمني على صلة يومية مع فريق من رجال الشرطة الأوروبيين الذين يساعدونهم في تنفيذ مخططهم.

في ختام محاضرته قال دايتون إن الإسرائيليين مهتمون للغاية بعملية إعادة تأهيل الأجهزة الأمنية، معتبرين أن نجاح جهود إنتاج الفلسطيني الجديد هو الضمان الحقيقي لاستقرار السلام في المنطقة.


(3)

إذا أضفنا إلى ما سبق تغيير أسماء المدن إلى العبرية، والضغوط التي تمارسها إسرائيل لمحو تاريخ النكبة والنضال الفلسطيني من مناهج التعليم في الضفة، بما يؤدى إلى محو الذاكرة الفلسطينية، فإننا نكون بإزاء “سيناريو” إحلالي يطبق في فلسطين ما سبق تطبيقه مع الهنود الحمر منذ ثلاثة قرون تقريبا.

ذلك أن ما يجري الآن هو صورة طبق الأصل لما فعله المهاجرون البروتستانت الإنجليز حين وفدوا إلى بلادهم التي عرفت فيما بعد باسم الولايات المتحدة الأميركية. وهى التجربة المثيرة التي وثقها بمختلف فصولها المروعة الباحث سوري الأصل منير العكش المقيم في الولايات المتحدة وهو مؤسس مجلة “جسور” التي تصدر بالإنجليزية. وأستاذ الإنسانيات بجامعة “سفك” في بوسطن. وقد صدر له في الموضوع كتابان. (عن دار رياض الريس ببيروت) أحدهما سنة 2002 عن الإبادة الجسدية الجماعية للهنود، كان عنوانه: حق التضحية بالآخر-أميركا والإبادات الجماعية. أما الكتاب الثاني الذي عالج الجانب الذي نتحدث عنه فقد صدر في شهر يوليو/تموز من العام الحالي. تحت عنوان “أميركا والإبادات الثقافية”.

الكتاب الأول تحدث عن استئصال الهنود، والثاني تحدث عن طمس هوية من بقي منهم على قيد الحياة، بحيث لا يصبح الهندي هنديا حقيقيا، وإنما يغدو “مخصيا” ثقافيا، ومن ثم إنسانا جديدا مقتلعا من جذوره ومنتميا إلى غير أهله.

من النقاط المهمة التي أثارها الباحث أن الإنجليز البروتستانت حين نزحوا منذ بدايات القرن السابع عشر إلى ذلك العالم الجديد الذي أطلقوا عليه اسم إسرائيل، فإنهم اعتبروا أنفسهم "يهود الروح" العبرية كانت لغة المتعلمين منهم والعهد القديم اعتبر مرجعهم ومرشدهم). وقد تمثلوا في هجرتهم الخروج الأسطوري للعبرانيين من أرض مصر إلى أرض كنعان في فلسطين. وبدورهم اقتنعوا بأنهم “شعب الله المختار”، وأن مشيئة الله تجسدت في أرض كنعان الجديدة، كما جسدت فكرة إسرائيل مشيئة الله في أرض كنعان القديمة (فلسطين).

الإسرائيليون “العبرانيون” في هذا الزمان استلهموا تجربة المهاجرين الإنجليز بجميع مراحلها، من الاستيطان إلى الاحتلال واستبدال شعب بشعب وصولا إلى استبدال ثقافة بثقافة, وكما تم إنتاج الهندي الجديد تجرى محاولة إنتاج الفلسطيني الجديد.

“ولأنهم “الشعب المختار” فقد انطلقوا من أن معاملة السكان الأصليين في البلاد التي هاجروا إليها لا تخضع للقوانين الأخلاقية أو المبادئ العقلية، ومن ثم أسقطوا عليهم فكرة كراهية العبرانيين للكنعانيين، التي سوغت للأولين ممارسة القتل والاغتصاب والاستعباد بدعوى تنفيذ المشيئة الإلهية التي فوضتهم في ذلك حين أمرت بذبح الفلسطينيين الكنعانيين.

المشهد لا يخلو من مفارقة، لأن المهاجرين الإنجليز حين فعلوا ما فعلوه بحق الهنود الحمر، فأبادوهم واغتصبوا أرضهم فإنهم استلهموا تجربة خروج العبرانيين من مصر إلى أرض الكنعانيين في فلسطين. ثم دارت دورة الزمن ووجدنا أن الإسرائيليين “العبرانيين” في هذا الزمان استلهموا تجربة المهاجرين الإنجليز بجميع مراحلها، من الاستيطان إلى الاحتلال واستبدال شعب بشعب وصولا إلى استبدال ثقافة بثقافة. وفي هذا الشق الأخير فإن فكرة أولئك المهاجرين في إنتاج الهندي الجديد. جرى استلهامها في محاولة إنتاج الفلسطيني الجديد. إذ ظل الهدف واحدا، رغم اختلاف التفاصيل والأساليب.

(4)

تحدث المؤلف عن أنه فرح حين وجد بين طلابه في الفصل الدراسي الجديد فتاة من أصول هندية اسمها سنج سوك، لكنه دهش حين دعاها باسمها مرة ومرتين ولم تجب. وبعد انتهاء المحاضرة جاءته بوجه شاحب وشفاه مرتعشة، ورجته أن يناديها باسم جنيفر، قائلة إنها لا تحب أن يناديها أحد باسمها الأصلي. واعتبر أن ذلك الخوف من الذات، الذي يستبطن كراهية للذات في الوقت نفسه، هو من ثمار عملية إنتاج الهندي الجديد، الذي أريد له أن يخجل من هنديته في نهاية المطاف ويشعر بالعار حين يستعيد أيا من بقاياها.

عقب منير العكش على هذه الواقعة بقوله إن هناك شعوبا هندية كثيرة لم تفقد أسماءها الحقيقية وحسب، بل صارت لا تعرف سوى الاسم الذي فرضه عليها غزاتها. واستطرد قائلا: إنه في سياق هذا الاقتلاع والإخضاع والتعرية الثقافية، التي اعتبرها “المحرقة الأخيرة للوجود الهندي” مسخت فكرة أميركا جسد ضحيتها الهندي وثقافته إلى مادة ملوثة للإنسان والطبيعة لا بد من تطهيرها. وكانت برامج التعليم على رأس الوسائل التي استخدمت لكي.. “نزرع في الطفل الهندي ذاكرة الغزاة ولغتهم ومزاجهم وأخلاقهم ودينهم.. بحيث يتدرب ذلك الطفل الشقي على الاشمئزاز من نفسه ومن كل ما حوله، ويشحن بالخوف من هنديته، والنظر إلى نفسه وإلى العالم بعيون جلاديه”.

في فصول الكتاب سجل المؤلف شهادات ومقولات منظر الإبادة الثقافية التي تمت في ذلك الحين، واختزلت في عبارات مثل: “اللغة والدين هما خط الدفاع الأخير للهنود ولا بد من القضاء عليهما” (الكابتن براد مؤسس مدارس الهنود 1840-1924 (“إن الهنود قد يتعافون من مجزرة أو شبه مجزرة، لكنك حين تعلم الهندي وتغسله فإنك ستقضي عليه حتما، عاجلا أم آجلا.. اقصف كل هندي بالتعليم والصابون ودعه يموت” (مارك توين 1867) “علينا أن نربي طبقة تترجم ما نريد للملايين الذين نحكمهم. طبقة من هنود الدم والبشرة، لكنهم إنجليزيّو الذوق والأفكار والتوجه والأخلاق والعقل” (توماس مكولاي مؤسس السياسة التربوية في أوساط الهنود 1800-1859).

من المفارقات أن عملية إنتاج الهندي الجديد كانت من مهام مكتب الشؤون الهندية الذي يعد بلغتنا الحديثة “السلطة الوطنية الهندية” وهؤلاء اتبعوا أساليب بعضها تم استنساخه في فلسطين

من المفارقات أن عملية إنتاج الهندي الجديد كانت من مهام مكتب الشؤون الهندية الذي تأسس في سنة 1806، وقال المؤلف إنه يعد بلغتنا الحديثة “السلطة الوطنية الهندية” التي قام عليها نفر من الهنود الذين تنكروا لأصولهم، وتسموا بأسماء إنجليزية، وهؤلاء اتبعوا أساليب بعضها تم استنساخه في فلسطين، منها على سبيل المثال، فرض حصار خانق على الجماعات الهندية المماثلة التي تمتنع عن تسليم أطفالها لمدارس التأهيل، وقطع إمدادات التموين عنها لفترة طويلة قبل اقتحامها واعتقال الآباء وخطف الأبناء وقتل الزعماء، استخدام سياسة “السلام” لكي تكون الآلة المثالية لسحق هندية الهنود وخلق جيل جديد من السماسرة الذين يسلمون بالأمر الواقع ويعترفون بشرعيته، إقامة مدن للهنود “المتعاونين” الذين دخلوا في دين الغزاة، واعتبروا المجتمع الهندي الوحيد الذي تم الاعتراف بشرعيته، وجرى تمثيله بقيادات تم اختيارها “ديمقراطيا”(!).

لا يحتمل الحيز المتاح مزيدا من التفصيل في المعلومات والشهادات المثيرة التي حفل بها الكتاب، لكن الأكثر إثارة فيه أنك حين تطالع فصوله لا بد أن تستحضر الحاضر، حتى يخيل إليك أنك تقرأ رصدا لما يحدث في فلسطين هذه الأيام.



بقلم :فهمي هويدي

أعقّب تعليقي البسيط على الموضوع بهذه القصيدة ….بعنوان (أنا فلسطيني) للكاتب الصحفي محمد خضر…



أنا اسمي فلسطيني
وعمري بعمر نكبتنا
أبى ألقى علي سمعي
“بنى أعد كرامتنا”
وأمي أرضعتني العز
يجري في شراييني
فحاورني حوار الند للند
أمامك أنني الجندي
أدافع عن ثري أرضى ..أذود بروحي عن عرضي
ألا تعلم؟
بأني لا أخاف رصاصك الدامي
ولا أرهب
ولا تهتز أقدامي, فكل الأرض تعرفني
بتضحيتي وأقدامي ..وتعلم أنني الاقوي
جبان أنت .. لاتقوي علي ثنيى وإرغامي
ولو كبلتني دهراً
ولو أسقيتني مراً .. ولو أحرقتني جمراً
سأمضي رغم آلامي
الي تحقيق أحلامي