‏إظهار الرسائل ذات التسميات مراجعة كتاب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مراجعة كتاب. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، يناير 19، 2011

الصفحات السود.. لمدرسة التغريب والحداثة والتنوير تأليف محمد عبد الشافى القوصى

عرض وتحليل أ. خلف عبد الرءوف

أولا ً: تعريف بالمؤلف
الأستاذ محمد عبد الشافي كاتب وأديب وناقد مصري معروف بتوجهاته الإسلامية.. له العديد من المؤلفات الأدبية.
 
ثانيا ً: تعريف بالكتاب
أدونيس، كمال أبو ديب، عبد الوهاب البياتى، أحمد عبد المعطى حجازي، لويس عوض ،غالى شكري، جابر عصفور.. ومن قبلهم فرح أنطون، وسلامة موسى، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين.
وغيرهم ممن تطول بهم القائمة السوداء من دعاة التغريب والحداثة، من السادرين في ظلمات الجاهلية بدعوى العلم والتنوير.
هؤلاء وغيرهم من دعاة التغريب ورواد مدرسة الحداثة في الشعر والأدب وما يدعون إليه وما يدعونه.. وأهدافهم ما ظهر منها وما بطن، أو قل أهداف الذين اصطنعوهم واستعملوهم لمحو ذاكرة الأمة وتدمير عقائدها والاستخفاف بلغتها وآدابها وتحويل العقل العربي إلى وعاء تصب فيه نفايات الفكر الغربي وكناسته.
هؤلاء وما يدعون إليه ومن وراءهم موضوع كتاب "الصفحات السود" للأستاذ محمد عبد الشافي.
الكتاب يقع في 263 صفحة من القطع المتوسط.. ومؤلف من قسمين الأول منهما بعنوان "تجليات المشهد التغريبي".
والقسم الثاني بعنوان "أولياء التغريب.. ورهبان الحداثة".
يكشف لنا المؤلف في القسم الأول "تجليات المشهد التغريبي" خيوط المؤامرة الاستعمارية التي نسجت مطلع القرن العشرين من قبل القوى الاستعمارية.. من أجل تذويب وطمس الهوية الإسلامية والعربية.
ويستعرض المؤلف من خلال فصول القسم الأول الأسلحة التي استخدمها الاستعمار وأعوانه من المنتسبين إلى الأدب والفكر وأهدافه والميادين التي خاض فيها معركته وما زال.
 
العربية في مواجهة العواصف
كانت اللغة العربية غرضا ً توجه له الطعنات في كل بلد حل فيه الاستعمار الأوروبي.. ويرجع الكاتب سبب ذلك إلى ما تمثله اللغة العربية من رمز وعنصر من عناصر توحد الأمة فكريا ً وثقافيا ًً، وكونها لسان التنزيل ووعاء الإسلام.. والصلة التي تربط الأمة بتراثها الفكري والأدبي.
فقد راح الأولون من رواد التيار التغريب يروجون الدعايات والأباطيل ضد اللغة العربية من العجز عن استيعاب مفردات ومصطلحات العلم والحضارة الحديثة، ونسى هؤلاء أن هذه اللغة هي التي ترجمت إليها حضارات الفرس والهند.. وهى التي استوعبت الفلسفة الإغريقية بكل تعقيداتها وعقدها.. وأن أوروبا التي تقوم حضارتها على أساس هذه الفلسفة لا تعرف حتى الآن ترجمة لاتينية للفلسفة الإغريقية.. وأن اللغة العربية ظلت لغة الحضارة لأربعة عشر قرنا ً من الزمان.
ويرصد الكاتب المدارس والرموز الفكرية التي خاضت المعركة ضد اللغة العربية ويبرز في هذا المضمار المستشرق الانجليزي وليم ولكوكس، وصبيان التغريب وعملاء الاستعمار أمثال أحمد لطفي السيد وطه حسين وسلامة موسى الذي وصف اللغة العربية بأنها "لغة ميتة ".. وينقل عنه قوله: "إن الفصحى في اعتقادي كانت لغة الكتابة فقط، أي لغة ميتة حتى في زمن نزول القرآن، ولكن تعليم العربية في مصر لا يزال في أيدي الشيوخ الذين ينقعون أدمغتهم نقعا ً في الثقافة العربية، أي في ثقافة القرون المظلمة..".
وفى بلاد الشام وجد المستشرقون والمبشرون من يعينهم في حملتهم على اللغة العربية أمثال الدكتور أنيس فريحة وسعيد عقل.
وقد انبرى للدفاع عن اللغة وآدابها جمهرة من الأدباء الحقيقيين المخلصين لها.. من أمثال مصطفى صادق الرافعي والمنفلوطي والعقاد والمازني وجاويش وعبد الرحمن شكري وغيرهم.
 
طوفان المذاهب والنظريات الوافدة
كانت معركة اللغة العربية بما ترمز إليه من موروث عقائدي وفكري وحضاري تمهيد وتهيئة لما تبعها من موجات تغريب الثقافة والآداب والفنون وعلمنة الفكر.. والتي صاحبت الحملات العسكرية وفترات الانتكاس والانهزام التي واجهت الأمة.
فبعد أن كان أدبنا العربي أدبا ً إسلاميا ً تربويا ً يقوم على أساس من القيم والأخلاق، راح تحت وطأة الزحف الثقافي الغربي يتخذ أشكالا ً وأغراضا ً أخرى ليست وليدة تطور اجتماعي أو ثقافي طبيعي.. ولكنها نقل وتقليد أعمى لمدارس ومذاهب أنتجتها عوامل الحياة والحضارة الأوروبية بما أنتجته من حروب مروعة ـ الحربين العالميتين ـ والتي دمرت معظم موروث الحضارة الإنسانية.
هذا الواقع الأوروبي الذي شهد طغيان العقل والعلم نتجت عنه ردة فعل تمثلت في ظهور المذاهب الفكرية الرافضة لكل ما هو معقول وواقعي ومألوف وأخلاقي.. بعد أن هزت الكارثة كل القيم والثوابت فظهرت العدمية واللامعقول واللاواقع وتفشت شحنات القلق والضياع والغربة والانكفاء على الذات، وشاع الرمز والغموض حتى صار صبغة وطابعا ً للآداب الأوروبية شعرها ونثرها.
في هذه الفترة ظهر في أدبنا العربي ما سمى بـ " الشعر الحر" أو "الشعر الحديث" ـ تحديدا ً في الأربعينيات ـ كمحاولة للتجديد.. واختلفت أهداف أصحابه مابين التواصل مع التراث أو القطيعة معه.
لكنه اتخذ من قبل أبواق الغرب أنموذجا ً للقطيعة مع كل موروث الأمة وأداة لترسيخ القيم والأفكار والمذاهب الأدبية والفكرية الغربية.
لقد تحول الشعر الحديث إلى أنموذج للتمرد ليس على العمود الخليلي وبحوره وتفعيلاته وقوافيه فقط.. ولكن على الماضي بكل تجلياته الفكرية والأخلاقية والدينية.
فها هو جبران خليل جبران في كتابه "المجنون" يدعو إلى هدم المعتقدات والقيم والأفكار والماضي بكل ما فيه من تراث.
لقد انغمس شعراء الحداثة رويدا ً رويدا ً في المذهب الرمزي بأفكاره الغيبية اللاواعية تقليدا ً لشعراء الفرنسية "بودلير، وريمبو، ومالارميه".. لتنقلب الرمزية إلى سريالية ممعنة في الغموض واستبعاد العقل والإيغال في الأسطورة والخرافة والاغتراب والقطيعة مع الواقع والماضي والعقل في آن، كل ذلك باسم "الحداثة".

ضحايا الحداثة.. ومآتم الحداثيين
الأكثر خطورة في الحداثة أنها لم تعد غزوا ً فكريا ً خارجيا ً.. وإنما صارت مدرسة في الأدب العربي بعد أن اعتنقها المستغربون والعملاء وقبضوا الثمن سرا ً وعلانية، فراحوا يرددون كالببغاوات والعجماوات بوعي وبغير وعى كل خزعبلات وهلاوس الأدب الأوروبي بإلحاده وكفرياته وتمرده على كل المحرمات والمقدسات.. مكتسية بثوب عربي لقيط.
فقد عمد هؤلاء المتشاعرين إلى ما أسموه "بتفجير اللغة" أي تحرير لغة الشعر من قواعد النحو ومن معانيها السائدة وتركيباتها التقليدية مع تفريغ القصيدة من أي غرض أو موضوع، فالغموض والإبهام والإغلاق والتيه هو جوهر الشعر عندهم وهو جوهر الإنسان أيضا ً.
يقول كمال أبو ديب أحد كهان الحداثة وسدنتها:
"الحداثة هي أرض الضياع، تيه بلا علامات، تيه جسده أدونيس في خلق مهيار الذي لا أسلاف له وفى خطواته جذوره. من هذا المنظور تصبح الحداثة لا احتجاجاً على السلطة الدينية، أو رفضا لها، أو صراعا ً معها وحسب بل انسلاخا ً منها، وانتماء لما يقع خارجها. هكذا تعيش الحداثة في مناخ الحرية المطلقة بلا قيود أو قوانين مسبقة تضبطها.. هكذا تنتهي الحداثة إلى نقطة اللاعلائقية، لتصبح انقطاعا عن الماضي .. وانفصاما ً عن الحاضر".
وينقل المؤلف عن " خالدة سعيد" زوجة زعيم الحداثيين وشيطانهم الرجيم "أدونيس" قولها:
"عندما كان طه حسين وعلى عبد الرازق يخوضان معركة ـ زعزعة الأنموذج (تعنى الكتاب والسنة) بإسقاط صفة الأصالة فيه، ورده إلى الموروث التاريخي، فيؤكدان أن الإنسان يملك موروثه ولا يملكه هذا الموروث ويملك أن يحيله إلى موضوع للبحث العلمي والنظر، كما يملك حق إعادة النظر فيما اكتسب صفة القداسة (القرآن والحديث) وحق نزع الأسطورة عن المقدس، وحق طرح الأسئلة والبحث عن الأجوبة".
لقد فر الحداثيون من كل الموروث الحضاري والعقائدي والأدبي لأمتهم بحجة كسر القيود وتحرير العقل والإبداع من التقليد والرتابة، فإذا بهم قد وقعوا فيما أرادوا الفرار منه فصاروا عبادا ً لمدارس فكرية ونظريات فلسفية ضيقة مختنقة مغلقة لا ينفكون عنها.. تصب كلها في بوتقة العبثية واللامعقول.. ولا تنفك عما رسمه سلفا ً أمثال كافكا وبيكيت وسارتر وفولكنر وآلان روب جرييه.
لقد رفضوا بحور الشعر العربي، وأبو أغراضه، وتمردوا على موضوعاته ليقعوا في حفرة ضيقة عنوانها الغموض والإغلاق.
يقول الدكتور عبد الحميد إبراهيم، هازئا بالحداثيين:
"أقرأ للواحد من نقاد الحداثة فكأنني قد قرأت للجميع وأقرأ كتاب الواحد منهم فكأنني قرأت جميع كتبه".

كناسة الشعر
هكذا يصف الكاتب شعر الحداثيين بينما يصفه الأستاذ رجاء النقاش الناقد الأدبي المعروف بـ "شعر العبث".
وينقل الكاتب عن كتاب "ثلاثون عاما ً مع الشعر والشعراء" للأستاذ رجاء النقاش قوله:
"هذه المدرسة التي يتزعمها أدونيس اعتمدت على أفكار القوميين السوريين القديمة في معاداة العروبة، واعتمدت من جانب آخر على أساليب التعبير المليئة بالألغاز والرموز المغلقة ....".
وينقل الكاتب طرفا ً من شعر الحداثيين ليدلل على تفاهته وعبثيته أمثال أدونيس وأنسى الحاج وتوفيق الصايغ وأمجد ريان، وسوف أقتصر هنا على عرض بعضه.
فهذا أدونيس زعيم الحداثيين في إحدى قصائده يقول:
مكان ولادتي
1930الشمس قدم الطفل
عرفت أقل من امرأة
لأنني تزوجت بأكثر من امرأة
عرفت أقل من رجل
لأنني تزوجت بأكثر من رجل
أعلنا..
الزواج غبار..
لكن ..
مثل يرقة تتحول إلى فراشة..
هكذا يتحول الزواج.
إلى زهرة من العشق.
ويقول توفيق الصايغ:
أريدني عدما في قبعة
وأريدك عينين منومتين وأصابع رشيقة
تعبث بالقبعة وبالرائين وبي
وتبعثني أرنبا ً ينط.

زنادقة الشعر الحديث
ليس هذا الغثاء وحده هو نتاج الحداثة بل ذهب الحداثيون إلى ما هو أقبح من ذلك من اجتراء على الدين وقدح في الذات الإلهية.. تناولها الكاتب في الفصل التالي.
لقد قام شعر الحداثيين على أساس من رفض الشريعة الإسلامية والسخرية من الأنبياء وقلب الرموز الإسلامية، وتشويه دلالتها.. وفى المقابل إشاعة الرموز الوثنية اليونانية، مثل : سيزيف وبرومثيوس وأوديب وعيون ميدروزا وزيوس وأبوللو وأفروديت ... إلخ.
فإذا استلهموا شيئا ً من التراث العربي فلا يقعون إلا على ما فيه من شذوذ وانحرافات أمثال السهروردى والحلاج وأبى نواس والديلمى وبشار.
ويعرض الكاتب لنماذج من كفريات الحداثيين المسماة زورا ً وبهتانا ً شعرا ً من أمثال بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتى، وصلاح عبد الصبور، وبلند الحيدرى والفيتورى، وأحمد عبد المعطى حجازي وغيرهم من ملاحدة الحداثة.
وسأكتفي بثلاثة نماذج منهم فقط مما ساقهم الكاتب.
يقول بدر شاكر السياب في إحدى قصائده:
فنحن جميعا أموات
أنا ومحمد والله
هذا قبرنا أنقاض مئذنة معفرة
عليها يكتب اسم محمد والله
على كسر مبعثرة من الآجر والفخار
فيا قبر الإله على النهار
ظل لألف حربة وفيل

ويقول عبد الوهاب البياتى في ديوانه "كلمات لا تموت":
الله في مدينتي تبيعه اليهود
الله في مدينتي مشرد طريد
أراده الغزاة أن يكون
لهم أجيرا ً شاعرا ً قوادا ً
يخدع في قيثارة المذهب العباد
لكنه أصيب بالجنون
ويقول شيطان الحداثة الرجيم "أدونيس":
رقصت للأفول
لجثة الإله
لا الله أعبد ولا الشيطان
كلاهما جدار
هذا غيض من فيض تعج به دواوين الحداثيين وتسود به صفحات مجلاتهم القبيحة الأجيرة "حوار" و "فصول" و "شعر" و "مواقف".
ومما قاله نزار قباني في نقد شعر الحداثيين:
"والشعر الجديد يحاول أن يقتصد في كل شيء.. في الحبر.. وفي الورق، وفي الوزن وفي النحو، وفي الصرف، وفي قواعد اللغة العربية، بحيث تخرج من الوليمة وأنت مصاب بفقر الدم.. وفقر الشعر.. وفقر الإيقاع. شعرنا الجديد عبارة عن ساندويتشات ليس في داخلها شيء سوى قشور لغوية وأخلاط كيميائية مجهولة التركيب، وتمارين إنشائية يمكن لأي تلميذ في المرحلة الابتدائية أن يكتب أحسن منها".

وشهد شاهد من أهلها
ما قاله نزار قباني قطرة في محيط مما سطره شعراء الحداثة ونقادها وسدنتها، عما أصاب مدرستهم من سقوط اعترف به أكثرهم، وقد تتبع الكاتب في هذا الفصل أقوالهم ورصد شهادات الحداثيين عن تهافت مدرستهم، من أمثال أحمد عبد المعطى حجازي وأحمد مطر، ونورى الجراح وشوقي بغدادي، وأمل دنقل، وبلغ حنق الشاعر فاروق شوشة على الحداثة وشعرائها من جيل السبعينات، أن قال: "إن جيل السبعينات هم صراصير يجب أن يداسوا بالأحذية"
ثم يورد الكاتب آراء طائفة من النقاد ممن ينتمون لمدرسة الحداثة، وآخرين ممن يرفضون هذه المدرسة أمثال الأستاذ عبد القادر القط، والأستاذ جابر الأنصاري، ومحمود أمين العالم وغيرهم.
ثم في نهاية هذا الفصل يلخص الكاتب في نقاط موجزة أوجه النقد والمؤاخذة والمطاعن التي وجهها النقاد إلى مدرسة الحداثة.
وينهى الكاتب بهذا الفصل القسم الأول من الكتاب .

ما القسم الثاني من الكتاب فقد اختار له الكاتب عنوان
"أولياء التغريب ورهبان الحداثة "
في هذا القسم من الكتاب يعمد الكاتب إلى رؤوس الفتنة وحملة لواء التغريب ودعاة الحداثة والتنوير من جيل الرواد ومن تبعوهم شر إتباع فيكشف أغراضهم الخبيثة ويثبت بالوثائق عمالتهم وخيانتهم لبلادهم ولدينهم ولتاريخ أمتهم.
ويبدأ الكاتب بفرح أنطون أحد زنادقة المدرسة البيروتية والتي ضمت صنائع التبشيريين أوائل القرن العشرين أمثال، شبلي شميل وجورجي زيدان ويعقوب صروف وسليم وبشارة تقلا وغيرهم من الشوام.
ويعرض الكاتب لتاريخ أنطون سعادة زعيم القوميين السوريين.. والذي أعدم بعد انكشاف عمالته وخيانته عام 1949.. وهو أستاذ أدونيس ومعلمه وهو الذي سماه بهذا الاسم بدلا ً من اسمه الأصلي "على أحمد سعيد".
أما فرح أنطون فقد أعلن ردته عن النصرانية وإنكاره لكل الأديان، وتبعه في ذلك سلامة موسى، بينما أعلن إسماعيل أدهم ـ أحد رواد جيل التنوير ـ ردته عن الإسلام وكتب مقاله الشهير "لماذا أنا ملحد" فرد عليه العلامة والمفكر الإسلامي محمد فريد وجدي بمقال بعنوان "لماذا أنا مسلم".
وسار في هذا التيار ـ التنويري ـ أحمد لطفي السيد وطه حسين دون أن يملك كل منهما جرأة إعلان ردته عن الإسلام أو إلحاده صراحة، وجاء من بعدهم ربيبهم لويس عوض ، وان كان مستمسكا بنصرانيته إلى درجة التعصب.. ولكنه نسج على ذات المنوال في تهجمه على الإسلام وعلى لغة القرآن.
وبرغم كثرة ما نظر هؤلاء وأتباعهم وثرثروا وسودوا من الصفحات وألفوا من الكتب.. إلا إنهم جميعا ً يكرر آخرهم ما قاله أولهم، الذي لا يعدوا أن يكون ترديدا ً لأفكار غلاة المستشرقين، يصل إلى حد النقل الحرفي أو ما يسمى بالسرقات الأدبية ليس للأفكار فقط.. بل لفصول كاملة وكتب بأكملها ضمنوها مؤلفاتهم ونسبوها لأنفسهم.
فنبذ اللغة العربية وتشويه تراثها ومعارضة الإسلام بعقائده وشرائعه وتزوير تاريخ الأمة، وفى المقابل الارتماء في أحضان المستعمر الغربي والاقتيات على نفايات أفكاره وفلسفاته.. هي الأغراض التي لم تنفك عنها كتابات التغريبيين والحداثيين من لدن أحمد لطفي السيد تلميذ اللورد كرومر وصديقه الحميم ونهاية بأدونيس وتلامذته ومريديه.
فالقوم لا يستحون من إعلان كفرهم وإلحادهم وعمالتهم للاستعمار الغربي وحبهم للصهاينة، ويعلنون ذلك صراحة أو ضمنا فلا تكاد تقع على كتاب لأحدهم.. أو حتى مقال هاجم فيه الاستعمار.. أو تعرض فيه لقضية فلسطين.. لينحى باللائمة على الاحتلال الصهيوني للأرض العربية وتهويد المقدسات الإسلامية أو يدعو فيه إلى وحدة الأمة.
لقد كشفت كتاباتهم عن مكنون نفوسهم، وأكدتها الوثاق السياسية وتقارير أجهزة الاستخبارات الغربية.

صورة العميد في الوثائق السرية
"الوثائق السرية" هو عنوان كتاب للباحث الأيرلندي البروفيسور "آدمز فيلدمان".. أعتمد فيه الكاتب على الوثائق السرية التي أفرجت عنها أجهزة الاستخبارات الفرنسية.. والتي تتناول الدور الذي لعبه بعض المثقفين العرب لحساب أجهزة المخابرات الأوروبية.. ومن بينهم عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين.
فيتناول قصة زواجه وتعميده ـ تنصيره ـ داخل إحدى الكنائس الفرنسية.. والدور الذي لعبه في مراحل حياته المختلفة وعلى تعدد مناصبه بدءً من التدريس بالجامعة.. وحتى توليه وزارة المعارف.
ويكشف فيلدمان عن دور طه حسين في زعزعة العقيدة الإسلامية.. والتشكيك في القرآن من خلال محاضراته في الشعر الجاهلي.. والتي جمعها بعد ذلك في كتاب يحمل نفس الاسم.. كان بمثابة نقل حرفي لكتابات بعض المستشرقين أمثال مرجليوث وجولدزيهير.
ويضمن الكاتب الجزء الثاني من كتابه أربعة فصول.. يعرض في كل فصل منها لواحدة من مجلات الحداثة الشهيرة الأربعة وروادها ومؤسسيها وظروف النشأة المريبة.. وارتباطها المباشر بأجهزة الاستخبارات الغربية وسقوط مؤسسيها وانكشاف أمرهم.
مجلة "مواقف" للشيطان الرجيم "أدونيس" والذي تصدى له الناقد الأدبي الكبير رجاء النقاش كاشفا فضائح أدونيس وتهافت منطقه.. وعداوته الصارخة لكل ما هو عربي وإسلامي.. وكرهه الشديد لمصر ونقمته عليها لما تمثله من كونها قاطرة للعروبة ورمز لها ـ العجيب أن وزارة الثقافة المملوكة لفاروق حسنى وجوقته كرمت أدونيس ـ .
لقد جرت هذه المقالات الأدبية على الأستاذ رجاء النقاش معركة حامية الوطيس مع صبية أدونيس ومريديه وعلى رأسهم جابر عصفور.. ولكن الكاتب الكبير أعلن إصراره على كشف الحقائق وخوض المعركة على حد تعبيره: "ولو وقفت وحدي في الساحة".
وراح النقاش في كتابه "ثلاثون عاما من الشعر والشعراء" يفند كتاب أدونيس الذي نال به درجة الدكتوراة "الثابت والمتحول" ويكشف مطاعنه على الثقافة العربية والتاريخ الإسلامي.
أما مجلة "شعر" لمؤسسها يوسف الخال اللبناني الذي راح يسب ويلعن كل ما هو عربي وإسلامي على رؤوس الأشهاد.. فقد تكفل بكشف عمالته للمخابرات الأمريكية ـ التي مولت له مجلته ـ الأب جاك أماتييس السالسى في كتابه "يوسف الخال ومجلة شعر".. كما تصدى له الأديب محمد الماغوط وقد كان ضمن مؤسسي المجلة مع جماعة يوسف الخال.. ثم انقلب عليهم لما تكشفت له أغراضهم الخبيثة.
أما مجلة "حوار" التي تزعمها لويس عوض بعد انتحار رئيسه أو قتله قتلة الكلاب، ثم هروب المؤسس الثاني لويس عوض بعد افتضاح أمره وانكشاف عمالته.. ثم عودته بعد ذلك لمواصلة أكاذيبه وضلالاته والسير على خطوات أستاذه سلامة موسى والتي يعرض لها الكتاب الذي بين أيدينا بالنقد والتفنيد.
لقد راح لويس عوض يزيف الحقائق والتاريخ فيخلع عن التاريخ العربي كل محمده.. وأن وجد فيه ما لا يسعه إنكاره فإنه ينسب الفضل فيه إلى الثقافة اليونانية أو الاستعمار الصليبي الذي كان بمثابة طاقة النور التي أشرقت على ظلمات البداوة العربية لتنقلها إلى نور المدنية الأوروبية.
كما يفرد الكاتب فصلا ً للرد على جهالات جابر عصفور التي ضمنها كتبه ومجلته التي لا يقرؤها سوى أربعة فقط.. "فصول" والذي تربع على عرش الأمانة العامة للمجلس الأعلى للثقافة.
وقد اعتمد الكاتب إلى جانب ما ذكرنا في الرد على أباطيل التنويريين وكشف عمالة الحداثيين على وثيقة هامة تمثلت في الكتاب الذي أصدرته الكاتبة الأمريكية "فرانسيز ستونر سوندرز" والذي كشفت فيه دور المخابرات المركزية الأمريكية {CIA} في تمويل أنشطة ثقافية ومهرجانات فنية وإنشاء مراكز ثقافية في جميع أنحاء العالم من خلال برنامج الحرب الثقافية الباردة.
كان الغرض منه في بادئ الأمر مواجهة المد الثقافي الشيوعي عقب الحرب العالمية الثانية تطورت بعد ذلك للسعي من خلال العملاء من المثقفين للترويج للنمط الأمريكي في الفكر والثقافة والسلوك.
لقد استطاعت الكاتبة الأمريكية كشف النقاب عن أسرار التحولات الثقافية الكبرى لدى الكثير من المثقفين العرب وفضح حقيقة توجهاتهم والأهداف التي يسعون لتحقيقها لحساب المؤسسات الثقافية الغربية التي أنشأتها ومولتها المخابرات الأمريكية.
وختاما أتمنى أن أكون قد أحسنت عرض هذا الكتاب القيم للأستاذ محمد عبد الشافي.. وإن كنت على يقين أن ما كتبته لا يغنى عن قراءة الكتاب.. وإنما يشجع عليه ويهيئ له.

الثلاثاء، يناير 04، 2011

قراءات حول العقل العربي.... دكتور طارق عبد الحليم

منذ بداية السبعينات، وعقيب هزيمة1967 تزايدت تلك الدراسات والكتب التي تتحدث عن العقل العربي، ماضيه المنصرم، وحاضره المشهود، ومستقبله المنشود، وينتمي أغلب أصحاب تلك الدراسات إلى اتجاهين رئيسيين:
أولهما: المنتمون لما يسمى التيار القومي الداعون إلى وحدة العرب على أساس القومية المشتركة.
ثانيهما: المنتمون إلى الاتجاه التغريبي، بشكل عام، والذي يستقي نظرياته وآراءه من الغرب، وفي إطار ذلك الفكر الغربي.
والطرفان وإن اختلفا في الأفكار والنظرات، وفي الأهداف والمشارب إلا أنهما اتفقا على ضرورة الحديث عن (العقل العربي) كل من زاويته الخاصة، في تلك الآونة التي أعقبت انحسار الفكر القومي بهزيمة 67 من ناحية، وفقدان الثقة في المعطيات الفكرية الغربية من ناحية أخرى، وما ألجئوا إلى ذلك إلا نتيجة لتصاعد التيار الإسلامي بشكل عام .. فكانت المصلحة الجامعة بينهما هي الحديث عن العقل العربي والذي يقصد به العقل الإسلامي، وإن عبر عنه (بالعربي) تحاشيًا للصدام المباشر مع الإسلام من ناحية، ودسًا للسم في الدسم من ناحية أخرى.
وإنك لتعجب عجبًا لا يكاد ينقضي حين تقرأ كتابًا كاملاً لواحد من هؤلاء الكتاب، يتناول فيه الفكر العربي، والعقلية العربية، وصلة واقع الأمة بماضيها..
إلى آخر تلك الموضوعات التي يدندنون حولها فلا تكاد تجد، ولو مرة واحدة، كلمة (الإسلام) في طول الكتاب وعرضه! إنما هي كلمات مثل (التراث)، الماضي، (الدين)، (السلف) ليس إلا!
وإذن أمر يشتم منه رائحة الهوى، ولو كان بحثًا عن الحقيقة خالصاً لوجه الحق، لكان ذلك الحديث من أهم ما تتناوله الأقلام في هذه الآونة، فمما لاشك فيه أن (العقل العربي) يحتاج إلى الدرس والتحليل من زاوية إسلامية أولاً، ومن زاوية عربية ثانيًا، إلا أن ذلك الإخلاص يظهر ناقصًا في تلك الدراسات من حيث ألبست أهدافها لباسًا عربيًا لتقف موقفًا وسطًا يكفل لها أعينًا تقرأ وآذانًا تسمع، وعقولاً تخدع.
من تلك الدراسات كتب ثلاث سنتناولها في هذه المراجعات كمثال دال على ما وراءه:
1.    بنية العقل العربي: د. محمد عابد الجابري.
2.    خطاب إلى العقل العربي: د. فؤاد زكريا.
3.    قصة عقل: د. زكي نجيب محمود.
الكتاب الاول: بنية العقل العربى
تذهب تلك الدراسة التي قدمها الدكتور المغربي محمد عابد الجابري كمحاولة لتحليل بنية العقل العربي، إلى تحديد طرق الفهم المختلفة التي استطاع العقل العربي خلال مرحلة نموه ونهضته أن يؤسس عليها معارفه، والتي تتلخص في ثلاثة طرق مختلفة المنهج، تعتمد: إما على تحليل (الخطاب)(ص13) واستنباط الألفاظ من المعاني، كما سلك أهل اللغة والبيان أو علماء الأصول والمتكلمون بمختلف اتجاهاتهم، أو على (الإشراق) والفهم الباطني للألفاظ، كما فعلت الصوفية من ناحية أو الشيعة والباطنية من ناحية أخرى (ص251)، وآخرها الاتجاه الفلسفي الذي ينطلق فيه العقل من التصورات الذهنية البحتة لإقامة بناء نظري ثم محاولة إقامة البرهان عليه، كما فعل الفلاسفة المنتسبون للإسلام.
وبشكل عام - وبرغم جدية الموضوع وأهميته - يمكن القول بأن الدراسة لم تقدم جديدًا في مجال فهم العقل العربي، بل كانت مجرد إعادة تصنيف لتلك الفرق المختلفة التي سلكت مسالك عقلية مختلفة، لأسباب عديدة، محاولة أن تجد في الإسلام ما يؤيد مذاهبها، دون التفات إلى حقيقة الإسلام كما فهمه أهل السنة والجماعة، الذين يعي المؤلف تمامًا الفرق بينهم وبين سائر الفرق التي تحدث عنها (ص 205 ، 66) بينما لم يقدم تحليلاً لمذهبهم البتة، ولا نملك إلا أن نسجل على المؤلف تحيزًا ظاهرًا لبعض الاتجاهات التي توافق منحاه العقلي بشكل عام، فالمعتزلة في رأيه، كانوا وظلوا دائمًا، الممثلين الرسميين والمخلصين للبيان والنظام المعرفي البياني (ص54)، كما أنهم الرواد الأوائل لما عرف (بعلم البلاغة) (ص64) وهم أصحاب (الرؤية العالمية) في الفكر الإسلامي (ص177)، بينما أهل السنة الأوائل - يعني الصحابة والتابعين - هم (النصيون) الملتزمون بحرفية ... النصوص فالعقل عند أهل السنة (يعني استشعار النص وهو ما يسمونه بالاجتهاد)! (ص53) وهم، - أي أهل السنة - يتعاملون مع النصوص على أساس من مجرد ... التقليد والاتباع وليس على أساس من التنظيم والتنظير كما فعل المعتزلة(ص66).
والكتاب - بعد - مليء بالتناقضات، وضعف التحقيق، فالمؤلف – في تعاطفه مع المعتزلة - يذهب إلى أن المعتزلة كانوا أشد وطأة على الشيعة من أهل السنة (ص66) بينما تجاهل حقيقة أن الاعتزال نفسه قد ذاب في مذهب الشيعة، بلى إنه حين أراد تقرير وجهة نظر المعتزلة الأوائل في العقيدة، اعتمد على القاسم الرسي الشيعي الزيدي لبيان ذلك المذهب (ص177).
ذلك التعاطف هو ما يوضح أسباب هجومه على ( سلطة السلف ) (ص133 ، 562) التي قرنها بسلطة (الماضي) والعادة، كذلك موقفه من الإجماع سواء في اللغة والنحو (ص127) أو في الفقه والتشريع، بل اعتباره أن أصل الإجماع هو مصدر القهر السياسي الذي عانت منه الأمة الإسلامية في تاريخها (ص134)!
ويذهب لإثبات مذهبه ذاك إلى أن خبر الواحد إنما يستمد قوته من إجماع الصحابة (ص125) وسلطة السلف ليس إلا! ويهاجم القياس كأصل شرعي، كما يتبين من طريقة مناقشته عند الأصوليين (ص137) مقارنة بما يقابلها من تعاطف مع ظاهرية ابن حزم التي يصورها على أنها تحرر من سلطة السلف، ومن القياس، وأنها دعوة للاجتهاد المبني على العقل! والتعامل المباشر مع النفر (ص515 ، 569) دون وساطة السلف - الصحابة والتابعين - أو غيرهم من العلماء والأئمة.
والحق أن الكاتب قد دخل مدخلاً وعرًا في مناقشة مسائل فقهية وأصولية متخصصة، تخرج عن مجال تخصصه كباحث في (الفلسفة)، أما عن مفهوم السببية كما تقرره عقلية العربي - حسب رأي المؤلف - فإن البيئة العربية الصحراوية توجه العقل إلى عدم ربط السبب بالنتيجة! (ص243)، وأنها تنشيء تلقائيًا ذلك المفهوم الذي ظهر لدى الأشاعرة في تفسير ارتباط السبب بالنتيجة على أنه حكم العادة الجارية بل إنه جعل المعتزلة كذلك من دعاة مذهب (العادة) - كالأشاعرة تمامًا - ليكتمل مفهوم النظرة الجزئية التي تولدها البيئة الصحراوية.. وهي نتيجة تؤكد خطورة تبني قوالب فكرية مسبقة، وإخضاع الأفكار والوقائع لمقرراتها مهما استلزم ذلك من اعتساف التحليل واضطراب النتائج، إلى جانب تجاهله لمفهوم السببية عند أهل السنة بشكل تام [1].
ثم يقدم المؤلف للعقلية العربية حلاً مبنيًا على ضرورة القضاء على سلطة السلف في حياة الأمة، والخروج من قيد اللفظ والنص، وإسقاط القياس كمسلك عقلي للاستنباط واعتماد (العقل) وحده بديلاً، من خلال عصر تدوين جديد يقوم على فكر الرباعي (المغربي) الأندلسي (ابن حزم - ابن رشد - ابن خلدون - الشاطبي).
الكتاب الثانى: خطاب إلى العقل العربى
أما الكتاب الثاني، فهو عبارة عن عدة مقالات مجموعة، صدرت في مجلة العربي للكاتب د. فؤاد زكريا، في الفترة ما بين 1976-1987 تحت عنوان (خطاب إلى العقل العربي) وتناول هذه المجموعة من المقالات عدة موضوعات، قسمها صاحبها إلى ثلاثة أقسام:
1-    دافع الثقافة العربية .
2-    الفكر والممارسة في الوطن العربي .
3-    أضواء على العالم المعاصر .
والكاتب يعكس بشكل واضح خلطًا وقصورًا في فهم الإسلام، وتصور طبيعة العلاقات التي يجب أن ينبني عليها المجتمع المسلم.
فعلى الرغم من أن الكاتب قد تعرض لبعض الأسباب الرئيسية التي نشأ عنها الخلل الحالي في المجتمعات الإسلامية، كالحكم الفردي المطلق، والسلطة الإرهابية والوصاية على الشعوب بدعوى الجهل والتخلف، إلا أن التناقض يبدو في تحليلاته حين تنتقل من مجال الممارسة إلى مجال الفكر والثقافة.
والكاتب - كغيره من أصحاب الاتجاه اليساري المادي - يتوهم صراعًا دائرًا بين العلم والدين (ص64) في المجتمع الإسلامي، على غرار الصراع بين الكنيسة والعلم في أوربا القرون الوسطى، ويعزو لتلك المشكلة الموهومة أسباب التخلف والانحطاط (ص22)!.
كذلك فهو يرى أن أسس الدين الإسلامي، التي تقوم على أن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن (كلمة الله الحرفية التي لا يتناولها التغيير ولا التبديل) (ص74)، يجعل من الصعب على المسلمين أن يتقبلوا تغييرًا في طبيعة العلاقة بين الله - عز وجل - وبين الناس على غرار ما تقبلته أوربا حين قدمت إلهًا يحكم العالم بالرياضيات، في فكر ديكارت، أو غير ذلك من صور العلاقة بين الخالق والمخلوق، التي تنحى فيها سلطة الخالق وسيطرته الفعلية على البشر بشكل تام وحاسم.
والحق أن إثارة مثل تلك المشاكل المفتعلة، وتقديم مثل تلك التحليلات الواهية إنما يعكس أمرين:
أولهما: ضحالة المعرفة وقصور الفهم بطيعة الدين الإسلامي، الذي يعرف الصغير الجاهل قبل الكبير العالم أنه لا تعارض بين التمسك بتعاليمه وقيمه وأحكامه الشرعية، وبين ارتياد الفضاء، أو استخدام الكمبيوتر، أو تحليل المواد إلى عناصرها للاستفادة منها.
وثانيهما: هو الرغبة الدفينة في تصوير العقبات أمام الأخذ بشرائع الإسلام كما أنزلها الله سبحانه دون تبديلها أو تغييرها، تحت شعار البحث الثقافي المنصف أو الرغبة في الإصلاح.
كما حاول الكتاب في قسمه الثالث إلقاء الأضواء على فساد المجتمع الرأسمالي وتناقضه، لحساب المجتمع الاشتراكي الذي يحمل - في رأي الكاتب – الحل الأمثل للأزمات الحالية، مع أن المنصف يعلم فساد النظم الرأسمالية وفشل التجارب الاشتراكية.
الكتاب الثالث: قصة العقل
وفي سلسلة الحديث عن العقل العربي، قدم الدكتور: زكي نجيب محمود كتابه قصة عقل (1983) الذي نحا فيه منحى السيرة الذاتية العقلية، مؤرخًا لرحلته الثقافية منذ اشتراكه في مجلة لسلامة موسى، بمقالات عن وحدة الوجود (ص18) إلى أن اتجه إلى الثقافة الغربية اتجاهًا تاماً، يصوغ من خلالها اتجاهه الفكري، وليتخير منها مذهبًا فلسفيًا يجعله له (هاديًا ونبراسًا) (ص93) هو مذهب (الوضعية المنطقية ) لفتجنشتين، وخلاصته: أن الكلمات التي يستعملها الإنسان (اللغة) نوعان:
نوع يمكن أن يعاين معناه مباشرة بالحس أو التجربة العلمية، وهو يحمل دليل صدقه، إذ ينطبق على موجود خارجي.
ونوع آخر يتناول ما وراء المحسوس، وهو لغو لا معنى له. فاللغة غرضها الأساسي هو أن تشير إلى موجودات فعلية تعاين بالحس لتكون مدلولاتها صادقة (ص92 و 115) وهذا النوع الأخير من اللغة هو من قبيل التعبيرات الوجدانية التي تقاس بمقاييس (الشعر أو ما إلى الشعر من وسائل التعبير) (ص116).
ولما كان الإيمان من قبيل الوجدانيات كما يراه المؤلف، وألفاظه تعبر عن معان ذاتية لذلك فهو (تصديق بغير برهان، وأما منطق العقل فطريقه البراهين)! (ص111). لذلك فالتعبيرات التي تتناول موضوعات كالإيمان أو غيره (هي تعبير ذاتي عما يخالج المتكلم من مشاعر.. وهاهنا لا منطق ولا قضايا تقاس بمقاييس موضوعية لتفرقة بين حق وباطل) (ص175).
وبناء على ذلك فإنه ليس من حق أي جماعة أن تتهم أنصار فكرة بعينها أنصار فكرة أخرى بالضلال إذا كان كل من الجماعتين مستندًا إلى مبادئ غير المبادئ التي تستند إليها الجماعة الأخرى (ص100). فالحق - إذن - في رأيه نسبي حين يختص بمسائل لا تخضع للتجارب المعملية، وأنصار كل فكرة أو دين هم على حق من وجهة نظرهم، ولا يحق لأحدهم أن ينظر للغير على أنه ضال أو منحرف! ولا يخفى ما وراء تلك الأفكار من ضلال وخطورة والتواء.
والكتاب جاء بعد محاولات سابقة للكاتب تهدف إلى نشر هذا المذهب من خلال الحديث عن الفكر العربي، وإحياء التراث، الذي تعرف عليه المؤلف منذ سنوات قليلة بعد أن تشرب الثقافة الغربية حتى النخاع، ولم يتمكن من التعرف على الفكر الإسلامي إلا من خلال (إحياء علوم الدين) للغزالي، أو (تهافت التهافت) لابن رشد، فجاءت محاولاته خالية من الإخلاص، عارية عن الخبرة، هادفة لهدم التراث من حيث تبدو محاولة لإحيائه! [2]



[1] راجع مفهوم السببية عند أهل السنة ، البيان، العدد الرابع / 38 .
[2] الأرقام ببن القوسين هي أرقام الصفحات التي يرجع إليها في المصدر الأصلي.



دكتور طارق عبد الحليم

[مجلة البيان اللندنية 1988]

الأربعاء، ديسمبر 22، 2010

قراءة في كتاب (مدخل إلى القرآن الكريم) للدكتور الجابري

بقلم الدكتور غازى التوبة

طرح الدكتور محمد عابد الجابري عدداً من الآراء في ما يتعلق بالتراث؛ فكتب عدداً من الكتب عن العقل العربي، وعن مقدمة ابن خلدون، وحقق جميع كتب ابن رشد وكتب عنها دراسات، وآخر شيء ألَّفه كان عن القرآن الكريم، واشتمل أربعة كتب، الأول: (مدخل إلى القرآن الكريم: الجزء الأول في التعريف بالقرآن)، والثلاثة الأخرى سماها (فهم القرآن الحكيم: التفسير الواضح حسب ترتيب النـزول)؛ وقد طرح أشياء متعددة في هذه الكتب الأربعة حول أمور متعددة في العقيدة والتشريع والسيرة والسياسة... إلخ. وقد جاء كثير منها في منتهى الخطورة، وتكونت خطورتها من أن صاحبها مطَّلع على التراث بشكل واسع من جهة، ومطَّلع كذلك على علوم الحضارة الغربية وفلسفتها بشكل تفصيلي من جهة ثانية، ومستهدِف لتغيير أوضاع الأمة باتجاه النموذج الغربي من جهة ثالثة.

وللحق فإن استعراض الأفكار الخاطئة التي طرحها (الجابري) والرد عليها يقتضي عدة مقالات، وسأجتهد أن أرد على بعضها في هذا المقال، وهي الأفكار الأولى التي أوردها الجابري في الفصلين الأوليين من الكتاب الأول: (مدخل إلى القرآن الكريم: الجزء الأول في التعريف بالقرآن الكريم).

تحدث الجابري في ذينك الفصلين عن الأوضاع التي كانت موجودة لحظة نزول الوحي على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأشار الجابري إلى انتشار التوحيد في مختلف المناطق المحيطة بالجزيرة العربية: مصر، وبلاد الشام، والعراق، وغيرها، وأشار إلى عدة فرق انشقت عن المسيحية واعتبرت المسيح ـ عليه السلام ـ إنساناً وليس إلهاً كما ادَّعت المسيحية الرسمية، ومن هذه الفرق فرقة (الأبيونية)، وقال الجابري: (إنهم كانوا يحفظون السبت اليهودي، والناموس الموسوي حفظاً وافياً، وينادون بأن الختان ضروري للخلاص، وأن الناموس القديم فرض على جميع المسيحيين).

ونقل الجابري من مصادر في موسوعة تاريخ أقباط مصر، فقال: (أصبح الأبيونيون جماعة كبيرة العدد انتشروا أصلاً في منطقة بابل وفي فلسطين والأقطار المجاورة وامتدوا أيضاً إلى روما وإلى جميع مراكز الشتات اليهودي) ونقل عنهم أيضاً أنهم (اتهموا بولس الرسول (صاحب نظرية التثليث) باتهامات مُرَّة وقاسية، ووصفوه بأنه متمرد ومارق عن الناموس، وأنكروا سلطانه ورفضوا رسائله، واكتفوا باستعمال النص العبراني لإنجيل متَّى ولا يعيرون الأناجيل الأخرى أهمية تُذكَر)[1].

ورجَّح الجابري أن تكون فرقة (الأبيونيين) هذه هي الفرقة التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله ـ تعالى:- {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 28] وهي الفرقة التي أشار القرآن الكريم إليها في سورة الصف؛ حيث قال ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْـحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ قَالَ الْـحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ}. [الصف: 41]

وقد أشار الجابري إلى فرقة أخرى ثارت على التثليث هي (الآريوسية) نسبة إلى آريوس المولود عام 270 م، وأعلن ثورته على القول بألوهية المسيح عام 1323 م، مؤكداً بشريته، مقرراً أن الآب وحدَه هو الإله، ومن هنا وصف أتباعه (الموحدين). وقد أحدثت آراء آريوس الجريئة أزمة خطيرة على الصعيدين الديني والسياسي في العالم المسيحي، وقد انقسم الناس بين مؤيدين ومعارضين، فتولدت عن ذلك أزمة استمرت أكثر من سنتين من (318م ـ 320م) تعرض خلالها كيان الإمبراطورية الرومانية لخطر الانهيار المحقق. ومن أجل وضع حدٍّ لهذه الأزمة تدخَّل الإمبراطور (قسطنطين العظيم) إلى جانب آريوس أولاً، ثم ما لبث أن عاد فوقف إلى جانب الكنيسة ورجالها، ودعا إلى عقد مجمع مسكوني في نيقية (عام325م) لإيجاد حل لهذه المسألة، وقد قرر هذا المجمع طرد آريوس وأصحابه على أساس أنهم فرقة ضالة مبتدعة، كما وضع ذلك المجمع (قانون الإيمان) الذي كرس عقيدة التثليث. لكن أتباع آريوس استمروا في نشر مذهبهم التوحيدي في أنحاء كثيرة من الأمبراطورية البيزنطية: في سورية، وفلسطين، والأردن، والعراق، واليمن، وفي جهات مختلفة من حوض البحر الأبيض المتوسط وبالخصوص شمال إفريقية وإسبانيا.

ثم عرض جانباً آخر من الوضع في الجزيرة العربية، وتحدث عن ظاهرتين:

الأولى: تبشير بعض الرهبان من اليهود والنصارى بقرب ظهور نبي جديد، ومن الأمثلة على ذلك الراهب بحيرى في بصرى، الذي وردت قصته في سيرة ابن إسحاق، وحديث أحبار اليهود عن ظهور نبي جديد في المدينة، وتعاليهم على القبائل العربية، وتفاخرهم بأنه سيكون من بني إسرائيل.

الثانية: الرحلة والسياحة للبحث عن الدين الحق، ومن المثال على ذلك: قصة سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ ومنهم أيضاً أربعة من أهل قريش نبذوا عبادة الأصنام وطلبوا دين جدهم إبراهيم ـ عليه السلام ـ وتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم، وهم: ورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل ابن عم عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث.

وتحدث الجابري عن جانب آخر من حال الجزيرة آنذاك وهي ظاهرة الحنفاء ومنهم: أمية بن أبي الصلت الثقفي من الطائف، وخالد بن سنان العبسي. ثم تحدث عن شرقي الجزيرة العربية، فذكر أن هناك رهباناً ظهروا: من أمثال رئاب ابن البراء الشتي، وريان بن زيد بن عمرو، وقس بن ساعدة الإيادي.

ثم استشف الجابري من رسالة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهرقل إمبراطور الدولة الرومانية، وللمقوقس حاكم مصر، أن هناك طائفة موحدة في مملكتيهما بدليل أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أشار في رسالته إلى هرقل بأن عليه إثم (الأريسيين)، وقد اعتبر الجابري أن هذه العبارة الغامضة تعني أن هناك طائفة من الموحدين أتباع (آريوس) الذي دعا إلى التوحيد ورفض التثليث الذي أقره مجمع نيقية، مع أن معظم المفسرين الذين فسروا هذه العبارة مالوا إلى تفسيرها بكلمة (الفلاحين) أو (الأكارين).

أبرز ما يمكن أن يقال عن هذا العرض الطويل: إن التوحيد الذي جاء به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو انعكاس ومرآة للتوحيد الذي كانت تعج به الجزيرة العربية وما حولها، وهو ليس جديداً كما يتوهم الدارسون، وقد انضمت كل هذه الفئات والطوائف إلى الرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما دعا إلى التوحيد؛ لأنها وجدت عنده ما كانت متمسكة به، وما كان وجودها قائماً عليه، وما كانت حياتها مرتبطة به.

وهذا الكلام قريب من كلام طه حسين في مطلع القرن العشرين في كتابه (في الشعر الجاهلي) عن أن القرآن الكريم أصدق تصويراً لواقع الجزيرة العربية من الشعر الجاهلي، وقريب من قول المستشرق جب في كتابه (المذهب المحمدي) بأن القرآن الكريم هو انعكاس لبيئة الجزيرة العربية في عقل محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، والفرق بين كلام الجابري وبين كلام طه حسين والمستشرق جب في الكم، فقد تحدث الجابري عن قضية واحدة هي قضية (التوحيد) في القرآن الكريم، لكن طه حسين وجِبْ تحدثا عن القرآن الكريم كله.

وهذا التصوير الذي اجتهد الجابري في بلورته عن المنطقة، وتعسف من أجله في تفسير بعض آيات القرآن الكريم ليس صحيحاً ولا سليماً، واستند فيه على أحداث فردية، وسنذكر خمسة أدلة على خطئه في هذا التصوير:

الدليل الأول: يناقض تصوير الجابري لحال البشرية غداة بعثة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تصوير الرسول لتلك الحال؛ حيث ورد في عدة أحاديث منها ما حدثنا به عياض ابن حمار المجاشعي أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلِّمكم ما جهلتم مما علمني، يومي هذا، كل مال نحلتُه عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمَتْ عليهم ما أحللت لهم، وأَمَرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً. وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء. تقرؤه نائماً ويقظان...» الحديث[2]، وهذا الحديث يبين فيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حال البشرية غداة بعثته، ويبين فيه أن الله نظر إلى أهل الأرض غداة بعثته فمقتهم، والمقت أشد الغضب، وجاء مقت الله لأهل الأرض؛ لأنهم انحرفوا عن جـادة الصواب في معرفتـه وعبادته ـ سـبحانه وتعـالى ـ ولا شك أن تصوير الرسول الذي لا ينطق عن الهوى أشد دقة من كلام الجابري وغيره في تصوير حال أهل الأرض غداة بعثته ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

الدليل الثاني: يناقض تصويرُ الجابري حال البشرية غداة بعثة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تصويرَ علماء الأمة على مدار التاريخ، وسنأخذ مثالاً واحداً على ذلك هو العلاَّمة ابن القيم الجوزية؛ فقد أوضح ابن القيم وضع البشرية قبل بعثة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقال: (ولما بعث الله محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان أهل الأرض صنفين: أهل الكتاب، وزنادقة لا كتاب لهم. وكان أهل الكتاب أفضل الصنفين، وهم نوعان: مغضوب عليهم، وضالون.

فالأمة الغضبية هم (اليهود)، أهل الكذب والبهت والغدر والمكر والحيل، قتلة الأنبياء، وأكلة السحت والربا والزنا، أخبث الناس طوية وأرداهم سجية، وأبعدهم من الرحمة.

والصنف الثاني: (المثلِّثة)، أمة الضلال، وعبَّاد الصليب الذين سَبُّوا الله الخالق مسبَّة ما سبَّه إياها أحد من البشر، ولم يُقروا بأنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1 ـ 4].

فهذا حال من له كتاب، وأما من لا كتاب له، فهو بين عابد أوثان، وعابد نيران، وعابد شيطان، وصابئ حيران، يجمعهم الشرك، وتكذيب الرسل، وتعطيل الشرائع، وإنكار المعاد. وأمة المجوس منهم، تفترش الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات.

وأما زنادقة الصابئة وملاحدة الفلاسفة فلا يؤمنون بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا لقائه.

وبالجملة: فإن (دين الحنيفية لا دين لله غيره بين هـذه الأديان الباطلـة التي لا دين في الأرض غيرها أخفى من السها تحت السحاب) (وقد نظر الله إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب)[3].

الدليل الثالث: ظن الجابري أن التوحيد هو نفي التعدد، وأنه الإقرار بإله واحد فقط، وليس من شك بأن نفي التعدد عن ذات الله، والإقرار بوحدانيته جانب من التوحيد، لكنَّ هذه حقيقة واحدة من حقائق التوحيد الذي دعا إليه القرآن الكريم والسُّنة النبوية المشرَّفة؛ فالتوحيد يشمل عشرات الحقائق الأخرى، منها ما يتعلق بذات الله وصفاته وأسمائه، ومنها ما يتعلـق بعبادته وكيفيـة دعـائه وأوقـاتها، وأفعـالـه وما الذي يحبه وما الذي لا يحبه، ومنها ما يتعلق بصورة علاقاته بمخلوقاته. وهناك أمور تتعلق بالألوهية والربوبية وبالشرك وأنواعه وأصنافه. وليس التوحيد فقط هو نفي التعدد عن الله ـ تعالى ـ فأين هذا التوحيد الذي عرفته كتب العقائد من التوحيد الذي تحدث عنه الجابري؟

الدليل الرابع: لو كان الوضع كما صوره الجابري؛ وهو أن التوحيد بخير، وأن الموحدين يعج بهم المكان والزمان، لَـمَا كانت هناك حاجة إلى إرسال رسول، فقد بيَّن المفسرون في أكثر من موضع من تفسير القرآن الكريم وتاريخ الأنبياء، أن الله كان يبعث رسولاً وينزل كتاباً عندما يعم الكفر، ويسـتشري الضلال، ويتعمق الشرك فيبعث الله رسولاً لكي يعم النور والهدى، وهذا من رحمته – تعالى ـ بعباده، ومن المعلوم أن الله بعث عيسى ـ عليه السلام ـ عندما استحكم الضلال في بني إسرائيل، وهو ما ينطبق على الظروف التي أحاطت بابتعاث الرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقد بعثه عندما استحكم الكفر والشرك والضلال في الأرض.

الدليل الخامس: ذكر الجابري أنه حدد لنفسه هدفاً منذ أكثر من ربع قرن عندما بدأ دراساته في الموروث الثقافي، أنه سيجعل المقروء معاصراً لنفسه ومعاصراً لنا في الوقت نفسه، هذا في مقدمة كتاب (نحن والتراث)، وهو قد وضح هذا الكلام في مقدمة كتاب (مدخل إلى القرآن الكريم)؛ فماذا كانت نتائج هذا الهدف في جعل المقروء معاصراً لنفسه، ومعاصراً لنا في الوقت نفسه؟

لقد كانت النتيجة الأُولَى لجعل القرآن الكريم معاصراً لنفسه هي الخلاصات التي توصل إليها، والتي أشرنا إليها في السابق؛ وهي اعتباره أن التوحيد كان منتشراً في الجزيرة العربية وما حولها وفي الدولة الرومانية وفي مصر عند الأقباط وفي دولة الحبشة... إلخ. وهـو مـا يؤدي إلـى أنَّ القرآن الـذي جـاء به محمـد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان انعكاساً للبيئة المحيطة به، وأشرنا إلى أخطاء هذا القول في سطور سابقة.

أما نتيجة جعل القرآن الكريم معاصراً لنا فهو ما جاء في نهاية الفصلين الأوليين من الكتاب؛ وهي دعوته إلى قيام مصالحة تاريخية بين حفدة إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ كما تمت تلك المصالحة في السابق؛ وهـي التي يتصور فيهـا الجابري أن ما قام به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل أربعة عشر قرناً هو تجميعٌ للموحدين المعاصرين له، وهي الآن يمكن أن تكون كذلك؛ لكن نقول له: إن دور الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في السابق لم يكن تجميعاً لموحدين موجودين بل كان بناءً لموحدين على أسس إلهية جديدة لم تكن عندهم، وكان تأسيساً لتوحيد جديد في عشرات المجالات؛ لذلك يجب أن تكون هذه المصالحة بالصورة التي أسس لها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي العودة إلى ما دعا إليه إبراهيم الخليل؛ وهو توحيد الله، وكما قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رسالته إلى كلٍّ من هرقل والمقوقس، ناقلاً قول الله ـ تعالى:- {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 46]؛ لذلك فإننا نقول للجابري وأمثاله: إن تجميع أحفاد إبراهيم أمر طيب، لكن هذا التجميع يجب أن يتم على التوحيد الذي دعا إليه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وإلا فإنه لا قيمة له.



[1] مدخل إلى القرآن الكريم، ص43.
[2] صحيح  مسلم.
[3] هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، فصل الأمم قبل البعثة، ص19.
نقلا عن مجلة قباء