‏إظهار الرسائل ذات التسميات قرآن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قرآن. إظهار كافة الرسائل

السبت، يناير 15، 2011

{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}

قوله تعالى: "المال والبنون زينة الحياة الدنيا" ويجوز "زينتا" وهو خبر الابتداء في التثنية والإفراد. وإنما كان المال والبنون زينة الحياة الدنيا لأن في المال جمالا ونفعا، وفي البنين قوة ودفعا، فصارا زينة الحياة الدنيا، لكن معه قرينة الصفة للمال والبنين؛ لأن المعنى: المال والبنون زينة هذه الحياة المحتقرة فلا تتبعوها نفوسكم. وهو رد على عيينة بن حصن وأمثاله لما افتخروا بالغنى والشرف، فأخبر تعالى أن ما كان من زينة الحياة الدنيا فهو غرور يمر ولا يبقى، كالهشيم حين ذرته الريح؛ إنما يبقى ما كان من زاد القبر وعدد الآخرة. وكان يقال: لا تعقد قلبك مع المال لأنه فيء ذاهب، ولا مع النساء لأنها اليوم معك وغدا مع غيرك، ولا مع السلطان لأنه اليوم لك وغدا لغيرك. ويكفي قي هذا قول الله تعالى: "إنما أموالكم وأولادكم فتنة" [التغابن: 15]. وقال تعالى: "إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم" [التغابن: 14].


قوله تعالى: "والباقيات الصالحات" أي ما يأتي به سلمان وصهيب وفقراء المسلمين من الطاعات "خير عند ربك ثوابا" أي أفضل "وخير أملا" أي أفضل أملا من ذي المال والبنين دون عمل صالح، وليس في زينة الدنيا خير، ولكنه خرج مخرج قوله "أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا" [الفرقان: 24]. وقيل: خير في التحقيق مما يظنه الجهال أنه خير في ظنهم.


واختلف العلماء في "الباقيات الصالحات"؛ فقال ابن عباس وابن جبير وأبو ميسرة وعمرو ابن شرحبيل: هي الصلوات الخمس. وعن ابن عباس أيضا: أنها كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة. وقاله ابن زيد ورجحه الطبري. وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأن كل ما بقي ثوابه جاز أن يقال له هذا. وقال علي رضي الله عنه: الحرث حرثان فحرث الدنيا المال والبنون؛ وحرث الآخرة الباقيات الصالحات، وقد يجمعهن الله تعالى لأقوام. وقال الجمهور: هي الكلمات المأثور فضلها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. خرجه مالك في موطئه عن عمارة بن صياد عن سعيد بن المسيب أنه سمعه يقول في الباقيات الصالحات: إنها قول العبد: الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. أسنده النسائي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (استكثروا من الباقيات الصالحات) قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: (التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله). صححه أبو محمد عبدالحق رحمه الله. وروى قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ غصنا فخرطه حتى سقط ورقه وقال: (إن المسلم إذا قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر تحاتت خطاياه كما تحات هذا خذهن إليك أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن فإنهن من كنوز الجنة وصفايا الكلام وهن الباقيات الصالحات). ذكره الثعلبي، وخرجه ابن ماجة بمعناه من حديث أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليك بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنهن يعني يحططن الخطايا كما تحط الشجرة ورقها). وأخرجه الترمذي من حديث الأعمش عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بشجرة يابسة الورقة فضربها بعصاه فتناثر الورق فقال: (إن الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر لتساقط من ذنوب العبد كما تساقط ورق هذه الشجرة). قال: هذا حديث غريب ولا نعرف للأعمش سماعا من أنس، إلا أنه قد رآه ونظر إليه. وخرج الترمذي أيضا عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقيت إبراهيم عليه السلام ليلة أسري بي فقال يا محمد أقرئ أمتك مني السلام واخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) قال: حديث حسن غريب، خرجه الماوردي بمعناه. وفيه - فقلت: ما غراس الجنة؟ قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله). وخرج ابن ماجة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو يغرس غرسا فقال: (يا أبا هريرة ما الذي تغرس) قلت غراسا. قال: (ألا أدلك على غراس خير من هذا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر يغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة). وقد قيل: إن الباقيات الصالحات هي النيات والهمات؛ لأن بها تقبل الأعمال وترفع؛ قال الحسن. وقال عبيد بن عمير: هن البنات؛ يدل عليه أوائل، الآية؛ قال الله تعالى: "المال والبنون زينة الحياة الدنيا" ثم قال "والباقيات الصالحات" يعني البنات الصالحات هن عند الله لآبائهن خير ثوابا، وخير أملا في الآخرة لمن أحسن إليهن. يدل عليه ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت علي امرأة مسكينة.. الحديث، وقد ذكرناه في سورة النحل في قوله "يتوارى من القوم" [النحل: 59] الآية. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لقد رأيت رجلا من أمتي أمر به إلى النار فتعلق به بناته وجعلن يصرخن ويقلن رب إنه كان يحسن إلينا في الدنيا فرحمه الله بهن). وقال قتادة في قوله تعالى: "فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما" [الكهف: 81] قال: أبدلهما منه ابنة فتزوجها نبي فولدت له اثني عشر غلاما كلهم أنبياء.

--------------------------------------------------------------------------------



تفسير القرطبى

الخميس، يناير 13، 2011

الالتفات وتنوع الكلام في القرآن

مما أخذ على القرآن: عدم نسجه على منوالٍ واحد، فهناك ظاهرة الالتفات وتنوع الخطاب والانتقال والرجوع والقطع والوصل.. وإلى أمثال ذلك من التنقل الكلامي. زعموا أنه قد يشوش على القارئ فهم المعاني!

لكنه جهل بأساليب البديع من كلام العرب، وما ذاك الالتفات وهذا التنقل في الخطاب إلا تطرية في الكلام تزيد في نشاط السامعين وتسترعي انتباههم لفهم مناحي الكلام أكثر وأنشط.

والشيء الذي أغفلوه أنهم حسبوا من صياغة القرآن أنها صياغة كتاب، في حين أنها صياغة خطاب.

إن لصياغة الكتاب مميزات تختلف عن مميزات صياغة الخطاب. فقضية الجري على منوالٍ واحد هي خاصة بصياغة الكتاب. أما التنوع والتنقل والالتفات فهي من خاصة صياغة الخطاب سواء أكان نظماً أم نثراً، فلا يتقيد الناطق بالاطّراد في سياقٍ واحد، بل له الانتقال والتحول أثناء الكلام حسبما ساقته دلائل المقام.

فهذا عزيز مصر ـ ينقل كلامه القرآن حينما واجه امرأته ويوسف على حالة استنكرها ـ يقول: (يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) يوسف/ 29. فيخاطب يوسف أولاً، ثم يلتفت إلى امرأته يوبخها.

وكلا الخطابين منساق في نسق واحد ولكن في واجهتين، وقد نقله القرآن على شاكلته الأولى. والقرآن كله من هذا القبيل، لأنه كلام الله واجه به عباده في صياغة خطاب ولم ينزل في صياغة كتاب. ومن ثَمّ كانت فيه هذه الكثرة من الالتفات والتنقل في الكلام. الأمر الذي زاد في طراوته وزان في طلاوته.

يقول تعالى: (إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً. لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً) الفتح/ 8 و9.

يبتدئ الكلام بالخطاب مع الرسول ويتحول من فوره إلى مواجهة المؤمنين.

ثم الضماير المتتابعة الثلاثة (وتعزروه وتوقروه وتسبحوه) يعود الأوّلان منها إلى النبي والثالث إلى الله! وهذا من مداورة الكلام من وجهة إلى وجهة، ويعد من ألطف صنع البديع.

ولا يخفى أن مثل هذا لا يدخل في متشابه الكلام بعد معروفية مراجع الضمائر لدى المخاطبين النابهين. وهو من حُسن الوجازة وظريف البيان (في ظاهر إبهام وواقع إحكام) سهلاً ممتنعاً يكسو الكلام حلاوةً ممتعة.

فبدلاً من أن يكون الكلام مشوهاً مضطرب المفاد ـ حسبما راقه المتعرب المتكلف ـ أصبح حلواً سائغاً يستلذه المستمع النبيه.

ومثله في القرآن كثير ويكون من لطيف صنع البديع.

وبديعة الالتفات كانت غرّة البدائع التي ازدان بها كلام رب العالمين وقد بحثنا عنها وعن أنواع ظرائفها عند البحث عن روائع فنون بدائع كلامه تعالى (في المجلد الخامس من التمهيد). ونبهنا هناك على أنه لابد في كل التفاتة من فائدة رائعة وراء تطرية الكلام والتفنن فيه لتزيده رونقاً فوق روعته، وأتينا بأمثلة لذلك.

وهنا ـ في الآية التي تمثل بها المتكلف من سورة يونس ـ نقول: إنه يزيد مبالغة في الاستنكار: قال تعالى: (وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا..) يونس/ 21.

يعني: أن أولئك الكفرة الجحود إذا كشف الله عنهم ضرهم، فبدلاً من أن يشكروا تراهم يكفرون نعمة الله ويحاولون تغطيتها بأنواع الملتبسات..

فيمثل لذلك ركوبهم البحر ومواجهة الطوفان: (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين. فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم..) يونس/ 22-23.

فبدأ يواجههم في الخطاب، لكنه في الأثناء يغير وجهة الكلام إلى التكلم عن غائبين، ليحول وجهة السامعين من كونهم مخاطبين إلى كونهم ناظرين مستمعين. وذلك للتمكن في نفوسهم من استقباح ما يشهدونه من فضيع الحال وشنيع المآل، فيلمسوا قباحة العمل وهم يرونه من كثب، فيكونوا هم الحاكمين على فعالهم بالتقبيح.

قال الزمخشري: ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة؟

قال: المبالغة، كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح. وذلك لأن القبيح من الغير يبدو أقبح مما لو ذكر عن النفس.

وهكذا التنقل من شأن إلى شأن كان من خاصية الكلام إذا كان خاطباً لا كتاباً. يتنقل فيه المتكلم من حالٍ إلى حال، وربما من موضوع إلى موضوع آخر، ثم يعود إلى موضوعه الأول حسبما يقتضيه الحال والمقام. والتنقل ظاهرة قرآنية شاملة ولا سيما في السوَر الطوال.

مثلاً نراه يتعرض لمسألة الطلاق والعدد في آيات (البقرة: 228-237) وينتقل إلى الترغيب في المحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى (الآية: 238) وصلاة الخوف (الآية 239) ويذكر المتوفى عنها زوجها (الآية: 240) ثم يعود إلى ذكر المطلقات (الآية: 241) الأمر الذي لم يكن متناسباً لو كان الكلام كتاباً، ويجوز في الخطاب. وهذا أيضاً في القرآن كثير.

إذن، فلا موضع لسفاسف الأباعد من عدم الالتئام في نظم القرآن.

قال هاشم العربي ـ بشأن آية الكرسي بعد ما وصفها بفخامة اللفظ والمحتوى بحيث لا يوجد لها نظير في جميع القرآن ـ : إنها بين جارتيها (الآية السابقة عليها واللاحقة لها) كقطعة ديباج رقّع بها ثوب كرباس. قال: واكثر القرآن على هذه الصفة من عدم القران بين آياته، والانتقال توّاً من الأوج إلى الحضيض ومن ذكر الجنة والمغفرة إلى ذكر المحيض.
*****
بقلم: محمد هادي معرفة

الأربعاء، يناير 05، 2011

لماذا الأسلوب القصصي في القرآن؟

يسترعي انتباهنا ونحن نتعامل مع القرآن الكريم هذا الاستعمال المكثف الواسع للأسلوب القصصي في أرجاء هذا الكتاب الكريم، فلا تكاد تخلو سورة منه من إشارة أو تفصيل لقصة نبي من الأنبياء، أو أمة من الأمم الغابرة، بل حتى المجالات الأخرى من الأبواب التي تطرق إليها القرآن الكريم (كمشاهد يوم القيامة، ومواقف النعيم والعذاب، والأخبار الغيبية، وبيان الآيات الكونية والطبيعية ... الخ)، فضّل القرآن الكريم أن يعرضها علينا بأسلوب تصويري هو أقرب ما يكون إلى الأسلوب القصصي، فلماذا كل هذا التأكيد على هذا الأسلوب، ولماذا كل هذا الحرص على التزامه في أغلب المجالات التي يقف التاريخ في مقدمتها؟.
إذا أدركنا أن هدف الله تعالى من إنزال القرآن الكريم هو هدف هدائي وتربوي محض، فإن تلك التساؤلات سرعان ما ستزول من أذهاننا، فالأسلوب القصصي يشكل الدعامة الأساسية للعملية التربوية والتعليمية، وبدونه تبقى هذه العملية مبتورة ناقصة يعوزها التطبيق العملي وعرض النماذج والشخوص الواقعية الحية التي تكتمل بترسيخ المفاهيم التربوية في الأذهان، وتأمين الضمانة التطبيقية والتنفيذية لها، فالنظرية تبقى نظرية وإن كانت متمتعة بمستوى عال من السلامة والصحة، ويبقى الحافز إلى تطبيقها والعمل بها كامناً في النفس ما لم يظهر النموذج العملي الداعي إلى الأخذ بها والمحرض على تحويلها إلى واقع عملي في السلوك.
وإذن فإن أسلوب دعم العملية التربوية بذكر القصص وضرب الأمثال الحقيقية التي لا يشك الإنسان في صحتها وترتفع إلى مستوى مسلماته وبدهياته يعتبر من أنجع وأنجح الأساليب التربوية على مر التاريخ، وقد فطن الإنسان وهو يشعر بمسئوليته التربوية الجسيمة إزاء الأجيال القادمة، إلى أهمية وخطورة هذا الأسلوب فأخذ به وأولاه أكبر وأشد اهتمامه، والكتب التربوية التي أنتجها الفكر الإنساني على مر العصور مشحونة بالتطبيقات المختلفة لهذا الأسلوب، بل إن القصة هي ـ بحد ذاتها ـ أسلوب من أساليب التربية وشكل من أشكال تعديل السلوك الإنساني وسوقه باتجاه معين.
ولذلك فلا غرابة أن يعتمد القرآن الكريم (القصة) أسلوباً إستراتيجيا ثابتاً من أساليبه التربوية، ولا عجب أن تحتل (القصص) مساحة شاسعة من هذا الكتاب العظيم.
عرفنا ـ لحد الآن ـ أن الهدف المحوري الرئيسي من تبني الأسلوب القصصي في القرآن الكريم هو تربية البشرية على ضوء النهج الإلهي وهدايتها باتجاه طريق الفطرة المنتهي إلى الإيمان الأكيد بالله تعالى، أما ما سنذكره من أهداف وأغراض أخرى فهي أهداف وأغراض فرعية ثانوية تصب في النهاية في الهدف الرئيسي الذي ذكرناه، وتعمل على تحقيقه والوصول إليه، وعلى هذا فإننا سوف لا نذكرها على أساس أنها أهداف مستقلة عن الهدف الرئيسي، كما أن ذكرنا لها هو من باب المثال لا الحصر، وإلا فإن أغراض القصة لا يمكن أن تحدد برقم معين ما دام السلوك الإنساني نفسه متشعباً إلى درجة عدم استطاعة الإنسان الإحاطة به.
يمكننا ـ بصورة عامة ـ تقسيم أغراض القصة القرآنية إلى مجموعتين رئيستين تنضوي تحتها الأغراض الفرعية الأخرى، هما:
أ ـ الأغراض الموضوعية:
ونقصد بها الأغراض المتعلقة بالرسالة والدعوة الإلهية من قبيل إثبات صدق الدعوة الإلهية، وإثبات كون القرآن منزلاً من قبل الله تعالى، وما إلى ذلك من أغراض نذكر بعضاً منها فيما يلي:
1 ـ إثبات إلهية القرآن ـ إن صحّ التعبير ـ أي كون القرآن وحياً إلهياً ليس للبشر ـ ومن ضمنهم النبي (ص) ـ أي دخل في وضعه، وقد تكفلت القصص القرآنية بإثبات ذلك عن طريق الأنباء والأخبار التي جاءت فيها حول الأنبياء (ع) والأمم الماضية، وقد كانت هذه الأخبار التي جاءت فيها حول الأنبياء (ع) والأمم الماضية، وقد كانت هذه الأخبار من الدقة والتفصيلية بحيث يستبعد الإنسان العاقل استبعاداً كاملاً أن يكون النبي (ص) أو أي أحد من معاصريه قد جاء بالقرآن من تلقاء نفسه، خصوصاً وإنه (ص) قد عاش في بيئة تجهل جهلاً تاماً أو شبه تام الأخبار المتعلقة بالأنبياء والأمم السابقة، وحتى لو كانوا يمتلكون قدراً من المعلومات فإنها كانت شوهاء محرفة ناقصة لبعد عهدهم عن أولئك الأنبياء وتلك الأمم.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الغرض إشارة صريحة في بعض الآيات نذكر منها:
{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون} آل عمران/ 44، {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتين} هود/ 49.
2 ـ التأكيد على وحدة العقيدة التي بعث الأنبياء من أجل نشرها ودعوة الناس إلى اعتناقها، ونحن نستطيع أن نستنتج هذا الهدف بسهولة من خلال تأمل الآيات التي تتحدث عن دعوة الأنبياء (ع) لقومهم، حتى أن البعض من هذه الآيات جاء مكروراً وبأفاظ متماثلة زيادة في التأكيد على هذا الجانب، لاحظ ـ مثلاً ـ الآيات التالية:
{لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} الأعراف/ 59، {وإلى عاد أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} الأعراف/ 65، {وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} الأعراف/ 73.
فمثل هذا التماثل الملفت للنظر في هذه الآيات وغيرها لم يأت من قبيل المصادفة وإنما جاء لتأكيد حقيقة أن الدعوات الإلهية كلها تستقي من نور واحد، وأنها جميعها مشتركة في الأصول، وأنها بمجموعها تشكل دعوة إلهية واحدة، وأن هذه الدعوات جاءت ليكمل بعضها البعض الآخر، ابتداء من أول نبي بعث إلى قومه، وانتهاءً بدعوة النبي (ص) التي هي خاتمة هذه الدعوات ومكمتلها.
3 ـ بيان بعض السنن والقوانين الإلهية والتاريخية الثابتة من خلال تقديم نماذج عملية ومصاديق حية لتلك السنن والقوانين، منها ـ على سبيل المثال ـ حقيقة كون المتبعين للحق أقلية على مر العصور، والمواقف المتشابهة ـ في التمرد على الحق والإعراض عنه ـ للأمم على مر العصور وباختلاف الأمكنة وقلة المؤمنين الحقيقيين بدعوات الأنبياء (ع).
وقلما نجد آيات تتحدث عن قصة نبي مع قومه إلا وفيها تأكيد على هذه السنة التاريخية، حتى أن القرآن الكريم عمم هذه السنة على جميع الأمم الغابرة، بل وحتى أمة نبينا (ص) من خلال قوله تعالى: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون. أتواصوا به بل هم قوم طاغون} الذاريات/ 52، 53. وقوله تعالى طبقاً لبعض الروايات: {والقمر إذا اتسق. لتركبنَّ طبقاً عن طبق} الانشقاق: 18، 19. أي لتحذون ذو الأمم السالفة التي أعرضت عن دعوات أنبيائها، وأنزل عليها العذاب الإلهي نتيجة لهذا الإعراض.
ومن السنن الثابتة الأخرى التي كشف القرآن النقاب عنها من خلال قصصه، انتصار الحق في نهاية المطاف، وغلبة دعوات الأنبياء رغم التكذيب والاضطهاد اللذين تتعرض لهما في بداية الأمر.
وهذه الظاهرة تشكل قانوناً تاريخياً ثابتاً لأن الحق يحمل في داخله عوامل دوامه وبقائه وانتصاره، والباطل يحمل ـ في المقابل ـ بذور زواله وفنائه رغم سيادته وانتصاره في بادئ الأمر، وجميع قصص الأنبياء تؤكد على هذه السنة من خلال تلك النهايات التي ترسمها لنا، النهايات التي تصور لنا نزول العذاب الإلهي على الكفرة والمتمردين، ونجاة الأنبياء وأتباعهم وظهور من يؤمن بدعواتهم.
وقد يسأل سائل في هذا المجال: إن مطالعة القصص القرآنية تثبت لنا أن ذلك الانتصار وقتي إذ سرعان ما يعود الانحراف عن الدعوة الإلهية بمجرد موت النبي (ص)، وسرعان ما يسود الباطل مرة أخرى، فكيف تنسجم هذه الظاهرة التي أكدت عليها الآيات القرآنية مع ما قررناه مسبقاً من أن الانتصار للحق في نهاية المطاف؟.
ونحن ـ جواباً على هذا التساؤل ـ نؤكد صحة هذه الظاهرة ونسلم بها، ومع ذلك فإن التأكيد عليها والتسليم بها لا يتنافيان مطلقاً مع حقيقة تلك السنة، فرغم تلك العودات المجددة إلى الباطل، واستئناف الانحراف عن العقيدة الإلهية، إلا أن الانتصار سيكون من نصيب الحق في النهاية.
قال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} التوبة/ 33، {ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} القصص/ 5.
هذا بالإضافة إلى سنن وقوانين أخرى يمكن للمتأمل في القصص القرآنية أن يستنتجها، وقد ذكرنا السنتين السابقتين كنموذج لهذا الغرض القرآني.
ب ـ الأغراض التربوية:
ونقصد بهذا النوع من الأغراض ذلك الذي يستهدف تربية الإنسان على المنهج الإلهي، وتقويم سلوكه على الصعيد الأخلاقي الشخصي والعام، وجميع القصص القرآنية تعج بمثل هذه المفردات التربوية اعتباراً من علاقة الإنسان بنفسه، ومروراً بعلاقته مع المجتمع، وانتهاءً بارتباطه مع الخالق ـ تعالى ـ ، وعلى سبيل المثال نذكر فيما يلي بعضاً من هذه الأغراض:
1 ـ تحذير الإنسان من غواية الشيطان ووساوسه من خلال عرض نماذج حية لأشخاص وقعوا في حبائل الشيطان فكانت النتيجة الندم أو الانحراف في تيار الانحرافات، والقصص من هذا النوع أكثر من أن تحصى، بل أن جميع القصص القرآنية يمكن اعتبارها ـ بالنتيجة ـ من هذا النوع لأن أصل الانحراف هو الشيطان، تعينه في ذلك الإرادة الضعيفة للإنسان، وغفلته عن ذكر الله تعالى. ولعل قصة آدم (ع) وإخراجه من الجنة، وتناوله من الشجرة التي حرمها الله تعالى عليه، وجعل عدم الاقتراب منها شرطاً لبقائه في الجنة وراحته من عناء الدنيا، لعل هذه القصة تعتبر النموذج الأفضل الذي يمكن أن يذكر في هذا المجال كمصداق لهذا الغرض، وقد أشار تعالى إلى هذا الغرض من ذكر قصة آدم وزوجه في قوله تعالى: {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون} الأعراف/ 27.
2 ـ تثبيت النبي (ص) والمؤمنين وحضهم على الاستمرار في طريقهم الذي رسمه الله تعالى لهم من خلال عرض صور من صمود ومقاومة الأنبياء (ع) تجاه المحاولات التي كانت تستهدف تقويض الرسالة واحتواء الدعوة الإلهية، وإلى هذا الغرض أشارت آيات من قبيل: (اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أوّاب) ص/ 17، {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل} الأحقاف/ 35، {وكلاّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} هود/ 120.
3 ـ تحذير الإنسان من عاقبة الشعور بالاستغناء عن الله تعالى والتكبر والغرور، كقصة قارون التي ذكرت أساساً لهذا الغرض حيث يقول ـ تعالى ـ معقباً عليها: {تلك الدار الآخرة تجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين} القصص/ 83.
وكقصة أصحاب الجنة الذين خسروا كل شيء في لمحة بصر بسبب غفلتهم عن ذكر الله تعالى، واستيلاء الإحساس بالاستغناء عنه على نفوسهم، وكقصة صاحب الجنة الذي قال عنه تعالى مشيراً إلى الغرض من سوق قصته: {ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً} الكهف/ 35. وعشرات القصص الأخرى التي لا يتسع المقام لذكرها.
كانت تلك بعضاً من أغراض القصة القرآنية ذكرناها تفسيراً لظاهرة الاستخدام الواسع الملفت للنظر للأسلوب القصصي، واعتماد القرآن الكريم عليه محوراً لتحقيق هدفه الأكبر، ألا وهو هداية البشرية وتربيتها على ضوء النهج الرباني.

د. فالح الربيعي
المصدر : القصص القراني / الدار الثقافية للنشر /ط1/ 2002م



الخميس، ديسمبر 16، 2010

 فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ. 

قوله تعالى: «وداود وسليمان إذ يحكمان» أي واذكرهما إذ يحكمان، ولم يرد بقوله «إذ يحكمان» الاجتماع في الحكم وإن جمعهما في القول؛ فإن حكمين على حكم واحد لا يجوز. وإنما حكم كل واحد منهما انفراده؛ وكان سليمان الفاهم لها بتفهيم الله تعالى إياه.
«في الحرث» اختلف فيه على قولين: فقيل: كان زرعا؛ قال قتادة. وقيل: كرما نبت عناقيده؛ قال ابن مسعود وشريح. و «الحرث» يقال فيهما، وهو في الزرع أبعد من الاستعارة.
«إذ نفشت فيه غنم القوم» أي رعت فيه ليلا؛ والنفش الرعي بالليل. يقال: نفشت بالليل، وهملت بالنهار، إذا رعت بلا راع. وأنفشها صاحبها. وإبل نفاش. وفي حديث عبدالله بن عمرو: الحبة في الجنة مثل كرش البعير يبيت نافشا؛ أي راعيا؛ حكاه الهروي. وقال ابن سيده: لا يقال الهمل في الغنم وإنما هو في الإبل.
«وكنا لحكمهم شاهدين» دليل على أن أقل الجمع اثنان. وقيل: المراد الحاكمان والمحكوم عليه؛ فلذلك قال «لحكمهم» .
قوله تعالى: «ففهمناها سليمان» أي فهمناه القضية والحكومة، فكنى عنها إذ سبق ما يدل عليها. وفضل حكم سليمان على حكم أبيه في أنه أحرز أن يبقي كل واحد منهما على متاعه، وتبقي نفسه طيبة بذلك؛ وذلك أن داود عليه السلام رأى أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث. وقالت فرقة: بل دفع الغنم إلى صاحب الحرث، والحرث إلى صاحب الغنم. قال ابن عطية: فيشبه على القول الواحد أنه رأى الغنم تقاوم الغلة التي أفسدت. وعلى القول الثاني رآها تقاوم الحرث والغلة؛ فلما خرج الخصمان على سليمان وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم، وكانوا يدخلون إلى داود من باب أخر فقال: بم قضى بينكما نبي الله داود؟ فقالا: قضى بالغنم لصاحب الحرث.
فقال لعل الحكم غير هذا انصرفا معي. فأتى أباه فقال: يا نبي الله أنك حكمت بكذا وكذا وإني رأيت ما هو أرفق بالجميع.
قال: وما هو؟
قال: ينبغي أن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بألبانها وسمونها وأصوافها، وتدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه، فإذا عاد الزرع إلى حال التي أصابته الغنم في السنة المقبلة، رد كل واحد منهما مال إلى صاحبه.
فقال داود: وفقت يا بني لا يقطع الله فهمك. وقضى بما قضى به سليمان؛
قال معناه ابن مسعود ومجاهد وغيرهما.
قال الكلبي: قوم داود الغنم والكرم الذي أفسدته الغنم فكانت القيمتان سواء، فدفع الغنم إلى صاحب الكرم. وهكذا قال النحاس؛ قال: إنما قضى بالغنم لصاحب الحرث؛ لأن ثمنها كان قريبا منه. وأما في حكم سليمان فقد قيل: كانت قيمة ما نال من الغنم وقيمة ما أفسدت الغنم سواء أيضا.
قوله تعالى: «وكلا آتينا حكما وعلما» تأول قوم أن داود عليه السلام لم يخطئ في هذه النازلة، بل فيها أوتي الحكم والعلم. وحملوا قوله: «ففهمناها سليمان» على أنه فضيلة له على داود وفضيلته راجعة إلى داود، والوالد تسره زيادة ولده عليه. وقالت فرقة: بل لأنه لم يصب العين المطلوبة في هذه النازلة، وإنما مدحه الله بأن له حكما وعلما يرجع إليه في غير هذه النازلة. وأما في هذه فأصاب سليمان وأخطأ داود عليهما الصلاة والسلام، ولا يمتنع وجود الغلط والخطأ من الأنبياء كوجوده من غيرهم، لكن لا يقرون عليه، وإن أقر عليه غيرهم.
ولما هدم الوليد كنيسة دمشق كتب إليه ملك الروم: إنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها، فإن كنت مصيبا فقد أخطأ أبوك، وإن كان أبوك مصيبا فقد أخطأت أنت؛ فأجابه الوليد «وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نقشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين. ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما».
وقال قوم: كان داود وسليمان - عليهما السلام - نبيين يقضيان بما يوحى إليهما، فحكم داود بوحي، وحكم سليمان بوحي نسخ الله به حكم داود، وعلى هذا «ففهمناها سليمان» أي بطريق الوحي الناسخ لما أوحى إلى داود، وأمر سليمان أن يبلغ ذلك داود؛ ولهذا قال: «وكلا آتينا حكما وعلما». هذا قول جماعة من العلماء ومنها ابن فورك.
وقال الجمهور: إن حكمهما كان باجتهاد وهي:واختلف العلماء في جواز الاجتهاد على الأنبياء فمنعه قوم، وجوزه المحققون؛ لأنه ليس فيه استحالة عقلية؛ لأنه دليل شرعي فلا إحالة أن يستدل به الأنبياء، كما لو قال له الله سبحانه وتعالى: إذا غلب على ظنك كذا فاقطع بأن ما غلب على ظنك هو حكمي فبلغه الأمة؛ فهذا غير مستحيل في العقل. فإن قيل: إنما يكون دليلا إذا عدم النص وهم لا يعدمونه.
قلنا: إذا لم ينزل الملك فقد عدم النص عندهم، وصاروا في البحث كغيرهم من المجتهدين عن معاني النصوص التي عندهم. والفرق بينهم وبين غيرهم من المجتهدين أنهم معصومون عن الخطأ، وعن الغلط، وعن التقصير في اجتهادهم، وغيرهم ليس كذلك.
كما ذهب الجمهور في أن جميع الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون عن الخطأ والغلط في اجتهادهم. وذهب أبو علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي إلى أن نبينا صلى الله عليه وسلم مخصوص منهم في جواز الخطأ عليهم، وفرق بينه وبين غيره من الأنبياء أنه لم يكن بعده يستدرك غلطه، ولذلك عصمه الله تعالى منه، وقد بعث بعد غيره من الأنبياء من يستدرك غلطه.
وقد قيل: إنه على العموم في جميع الأنبياء، وأن نبينا وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم في تجويز الخطأ على سواء إلا أنهم لا يقرون على إمضائه، فلم يعتبر فيه استدراك من بعدهم من الأنبياء. هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سألته امرأة عن العدة فقال لها: «اعتدي حيث شئت» ثم قال لها: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» . وقال له رجل: أرأيت إن قتلت صابرا محتسبا أيحجزني الجنة شيء؟ فقال: «لا» ثم دعاه فقال: «إلا الدين كذا أخبرني جبريل عليه السلام» .
قال الحسن: لولا هذه الآية لرأيت القضاة هلكوا، ولكنه تعالى أثنى على سليمان بصوابه، وعذر داود باجتهاده. وقد اختلف الناس في المجتهدين في الفروع إذ اختلفوا؛ فقالت فرقة: الحق في طرف واحد عند الله، قد نصب على ذلك أدلة، وحمل المجتهدين على البحث عنها، والنظر فيها، فمن صادف العين المطلوبة في المسألة فهو المصيب على الإطلاق، وله أجران في الاجتهاد وأجر في الإصابة، ومن لم يصادفها فهو مصيب في اجتهاده مخطئ في أنه لم يصب العين فله أجر وهو غير معذور.
هذا سليمان قد صادف العين المطلوبة، وهي التي فهم. ورأت فرقة أن العالم المخطئ لا إثم في خطئه وإن كان غير معذور. وقالت فرقة: الحق في طرف واحد ولم ينصب الله تعالى عليه دلائل «بل» وكل الأمر إلى نظر المجتهدين فمن أصابه أصاب ومن أخطأ فهو معذور مأجور متعبد بإصابته العين بل تعبدنا بالاجتهاد فقط.
وقال جمهور أهل السنة وهو المحفوظ عن مالك وأصحابه رضي الله عنهم: إن الحق في مسائل الفروع في الطرفين، وكل مجتهد مصيب، والمطلوب إنما هو الأفضل في ظنه، وكل مجتهد قد أداه نظره إلى الأفضل في ظنه؛ والدليل على هذه المقالة أن الصحابة فمن بعدهم قرر بعضهم خلاف بعض، ولم ير أحد منهم أن يقع الاتحمال على قوله دون قول مخالفه. ومنه رد مالك رحمه الله للمنصور أبي جعفر عن حمل الناس «الموطأ» ؛ فإذا قال عالم في أمر حلال فذلك هو الحق فيما يختص بذلك العالم عند الله تعالى وبكل من أخذ بقوله، وكذا في العكس.
قالوا: وإن كان سليمان عليه السلام فهم القضية المثلى والتي أرجح فالأولى ليست بخطأ، وعلى هذا يحملون قول عليه السلام: «إذا اجتهد العالم فأخطأ» أي فأخطأ الأفضل. روى مسلم وغيره عن عمروه بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» هكذا لفظ الحديث في كتاب مسلم «إذا حكم فاجتهد» فبدأ بالحكم قبل الاجتهاد، والأمر بالعكس؛ فإن الاجتهاد مقدم لي الحكم، فلا يجوز الحكم قبل الاجتهاد بالإجماع. وإنما معنى هذا الحديث: إذا أراد أن يحكم، كما قال: «فإذا قرأت القرآن فاستعذ» «النحل: 98» فعند ذلك أراد أن يجتهد في النازلة. ويفيد هذا صحة ما قال الأصوليون: إن المجتهد يجب عليه أن يجدد نظرا عند وقوع النازلة، ولا يعتمد على اجتهاده المتقدم لإمكان أن يظهر له ثانيا خلاف ما ظهر له أولا، اللهم إن يكون ذاكرا لأركان اجتهاده، مائلا إليه، فلا يحتاج إلى استئناف نظر في أمارة أخرى.إنما يكون يكون الأجر للحاكم المخطئ إذا كان عالما بالاجتهاد والسنن والقياس، وقضاء من مضي؛ لأن اجتهاده عبادة ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط، فأما من لم يكن محلا للاجتهاد فهو متكلف لا يعذر بالخطأ في الحكم، بل يخاف عليه أعظم الوزر.
يدل على ذلك حديثه الآخر؛ رواه أبو داود: «القضاة ثلاثة» الحديث. قال ابن المنذر: إنما يؤجر على اجتهاده في طلب الصواب لا على الخطأ، ومما يؤيد هذا قوله تعالى: «ففهمناها سليمان» الآية. قال الحسن: أثنى على سليمان ولم يذم داود.ذكر أبو التمام المالكي أن مذهب مالك أن الحق في واحد من أقاويل المجتهدين، وليس ذلك في أقاويل المختلفين، وبه قال أكثر الفقهاء.
قال: وحكى ابن القاسم أنه سأل مالكا عن اختلاف الصحابة، فقال: مخطئ ومصيب، وليس الحق في جميع أقاويلهم. وهذا القول قيل: هو المشهور عن مالك وإليه ذهب محمد بن الحسين. واحتج من قال هذا بحديث عبدالله بن عمرو؛ قالوا: وهو نص على أن في المجتهدين وفي الحاكمين مخطئا ومصيبا؛ قالوا: والقول بأن كل مجتهد مصيب يؤدي إلى كون الشيء حلالا حراما، وواجبا ندبا.
واحتج أهل المقالة الأولى بحديث ابن عمر. قال: نادى فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم انصرف من الأحزاب «ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة، وقال الآخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت، قال: فما عنف واحدا من الفريقين؛ قالوا: فلو كان أحد الفريقين مخطئا لعينه النبي صلى الله عليه وسلم. ويمكن أن يقال: لعله إنما سكت عن تعيين المخطئين لأنه غير آثم بل مأجور، فاستغنى عن تعيينه. والله أعلم.
ومسألة الاجتهاد طويلة متشعبة؛ وهذه النبذة التي ذكرناها كافية في معنى الآية، والله الموفق للهداية.ويتعلق بالآية فصل آخر: وهو رجوع الحاكم بعد قضائه من اجتهاده إلى اجتهاد آخر أرجح من الأول؛ فإن داود عليه السلام فعل ذلك. وقد اختلف في ذلك علماؤنا رحمهم الله تعالى؛ فقال عبدالملك ومطرف في «الواضحة» : ذلك له ما دام في ولايته؛ فأما إن كانت ولاية أخرى فليس له ذلك، وهو بمنزلة غيره من القضاة. وهذا هو ظاهر قول مالك رحمة الله في «المدونة».
وقال سحنون في رجوعه من اجتهاد فيه قول إلى غيره مما رآه أصوب ليس له ذلك؛ وقال ابن عبدالحكم. قالا: ويستأنف الحكم بما قوي عنده. قال سحنون: إلا أن يكون نسي الأقوى عنده في ذلك الوقت، أو وهم فحكم بغيره فله نقضه؛ وأما وإن حكم بحكم هو الأقوى عنده في ذلك الوقت ثم قوى عنده غيره بعد ذلك فلا سبيل إلى نقض الأول؛ قاله سحنون في كتاب ابنه.
وقال أشهب في كتاب ابن المواز: إن كان رجوعه إلى الأصوب في مال فله نقض الأول، وإن كان في طلاق أو نكاح أو عتق فليس له نقضه.قلت: رجوع القاضي عما حكم القاضي إذا يتبين له أن الحق في غيره ما دام في ولايته أولى. وهكذا في رسالة عمر إلى أبي موسى. رضى الله عنهما؛ رواها الدارقطني، وقد ذكرناها في «الأعراف» ولم يفصل؛ وهي الحجة لظاهر قول مالك.
ولم يختلف العلماء أن القاضي إذا قضى تجوزا وبخلاف أهل العلم فهومردود، إن كان على وجه الاجتهاد؛ فأما أن يتعقب قاض حكم قاض آخر فلا يجوز ذلك له لأن فيه مضرة عظمى من جهة نقض الأحكام، وتبديل الحلال بالحرام، وعدم ضبط قوانين الإسلام، ويتعرض أحد من العلماء لنقض ما رواه الآخر، وإنما كان يحكم بما ظهر له.
قال بعض الناس: إن داود عليه السلام لم يكن أنفذ الحكم وظهر له ما قال غيره. وقال آخرون لم يكن حكما وإنما كانت فتيا. قلت: وهكذا تؤول فيما رواه أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك؛ فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى؛ فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه؛ فقال: ائتوني بالسكين أشفه بينكما؛ فقالت الصغرى: لا - يرحمك الله - هو ابنها؛ فقضى به للصغرى؛ قال أبو هريرة: إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، ما كنا نقول إلا المدية؛ أخرجه مسلم.
فأما القول بأن ذلك من داود فتيا فهو ضعيف؛ لأنه كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وفتياه حكم. وأما القول الآخر فيبعد؛ لأنه تعالى قال: «إذ يحكمان في الحرث» فبين أن كل واحد منهما كان قد حكم. وكذا قول في الحديث: فقضى به للكبرى؛ يدل على إنفاذ القضاء وإنجازه. ولقد أبعد من قال: إنه كان من شرع داود أن يحكم به للكبرى من حيث هي كبرى؛ لأن الكبر والصغر طرد محض عند الدعاوى كالطول والقصر والسواد والبياض وذلك لا يوجب ترجيح أحد المتداعيين حتى يحكم له أو عليه لأجل ذلك. وهو مما يقطع به من فهم ما جاءت به الشرائع. والذي ينبغي أن يقال: إن داود عليه السلام إنما قضى به للكبرى لسبب اقتضى عنده ترجيح قولها. ولم يذكر في الحديث تعيينه إذ لم تدع حاجة إليه، فيمكن أن الولد كان بيدها، وعلم عجز الأخرى عن إقامة البينة، فقضى به لها إبقاء لما كان على ما كان. وهذا التأويل أحسن ما قيل في هذا الحديث. وهو الذي تشهد له قاعدة الدعاوي الشرعية التي يبعد اختلاف الشرائع فيها.  يقال: فإن كان داود قضى بسبب شرعي فكيف ساغ لسليمان نقض حكمه؛ فالجواب: أن سليمان عليه السلام لم يتعرض لحكم أبيه بالنقض، وإنما احتال حيلة لطيفة ظهر له بسببها صدق الصغرى؛ وهي أنه لما قال: هات السكين أشقه بينكما، قالت الصغرى: لا؛ فظهر له من قرينه الشفقة في الصغرى، وعدم ذلك في الكبرى، مع ما عساه انضاف إلى ذلك من القرائن ما حصل له العلم بصدقها فحكم لها. ولعله كان ممن سوغ له أن يحكم بعلمه.
وقد ترجم النسائي على هذا الحديث «حكم الحاكم بعلمه» . وترجم له أيضا «السعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله أفعل ليستبين الحق» . وترجم له أيضا «نقض الحاكم لا يحكم به غيره ممن هو مثله أو أجل منه» . ولعل الكبرى اعترفت بأن الولد للصغرى عندما رأت من سليمان الحزم والجد في ذلك، فقضى بالولد للصغرى؛ ويكون هذا كما إذا حكم الحاكم باليمين، فلما مضى ليحلف حضر من استخرج من المنكرما أوجب إقراره، فإنه يحكم عليه بذلك الإقرار قبل اليمين وبعدها، ولا يكون ذلك من باب نقض الحكم الأول، لكن من باب تبدل الأحكام بحسب تبدل الأسباب. والله أعلم.
وفي هذا الحديث من الفقه أن الأنبياء سوغ لهم الحكم بالاجتهاد؛ وقد ذكرناه. وفيه من الفقه استعمال الحكام الحيل التي تستخرج بها الحقوق، وذلك يكون عن قوة الذكاء والفطنة، وممارسة أحوال الخلق؛ وقد يكون في أهل التقوى فراسة دينية، وتوسمات نورية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وفيه الحجة لمن يقول: إن الأم تستلحق؛ وليس مشهور مذهب مالك، وليس هذا موضع ذكره. وعلى الجملة فقضاء سليمان في هذه القصة تضمنها مدحه تعالى له بقوله: «ففهمناها سليمان» .قد تقدم القول في الحرث والحكم في هذه الواقعة في شرعنا: أن على أصحاب الحوائط حفظ حيطانهم وزروعهم بالنهار، ثم الضمان في المثل بالمثليات، وبالقيمة في ذوات القيم. والأصل في هذه المسألة في شرعنا ما حكم به نبينا صلى الله عليه وسلم في ناقة البراء بن عازب. رواه مالك عن ابن شهاب عن حرام بن سعد بن محيصة: أن ناقة للبراء دخلت حائط رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالليل، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها. هكذا رواه جميع الرواة مرسلا. وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب عن ابن شهاب، إلا ابن عيينة فإنه رواه عن الزهري عن سعيد وحرام بن سعد بن محيصة: أن ناقة؛ فذكر مثله بمعناه. ورواه ابن أبي ذئب عن ابن شهاب أنه بلغه أن ناقة البراء دخلت حائط قوم؛ مثل حديث مالك سواء، إلا أنه لم يذكر حرام بن سعد بن محيصة ولا غيره. قال أبو عمر: لم يصنع ابن أبي ذئب شيئا؛ إلا أنه أفسد إسناده. ورواه عبدالرزاق عن معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتابع عبدالرزاق على ذلك وأنكروا عليه قوله عن أبيه. ورواه ابن جريج عن ابن شهاب قال: حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أن ناقة دخلت في حائط قوم فأفسدت؛ فجعل الحديث لابن شهاب عن أبي أمامة، ولم يذكر أن الناقة كانت للبراء. وجائز أن يكون الحديث عن ابن شهاب عن ابن محيصة، وعن سعيد بن المسيب، وعن أبي أمامة - والله أعلم - فحدث به عمن شاء منهم على ما حضره وكلهم ثقات. قال أبو عمر: وهذا الحديث وإن كان مرسلا فهو حديث مشهور أرسله الأئمة، وحدث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز وتلقوه بالقبول، وجرى في المدينة العمل به، وحسبك باستعمال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز لهذا الحديث.ذهب مالك وجمهور الأئمة إلى القول بحديث البراء، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين إلى أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعا في ليل أو نهار أنه لا يلزم صاحبها شيء، وأدخل فسادها في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «جرح العجماء جبار» فقاس جميع أعمالها على جرحها. ويقال: أنه ما تقدم أبا حنيفة أحد بهذا القول، ولا حجة له ولا لمن اتبعه في حديث العجماء، وكونه ناسخا لحديث البراء ومعارضا له؛ فإن النسخ شروطه معدومة، والتعاوض إنما يصح إذا لم يمكن استعماله أحدهما إلا بنفي الآخر،
وحديث «العجماء جرحها جبار» عموم متفق عليه، ثم خص منه الزرع والحوائط بحديث البراء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو جاء عنه في حديث واحد: العجماء جرحها جبار نهارا لا ليلا وفي الزرع والحوائط والحرث، لم يكن هذا مستحيلا من القول؛ فكيف يجوز أن يقال في هذا متعارض؟ ! وإنما هذا من باب العموم والخصوص على ما هو مذكور في الأصول.إن قيل: ما الحكمة في تفريق الشارع بين الليل والنهار، وقد قال الليث بن سعد: يضمن أرباب المواشي بالليل والنهار كل ما أفسدت، ولا يضمن أكثر من قيمة الماشية؟ قلنا: الفرق بينهما واضح وذلك أن أهل المواشي لهم ضرورة إلى إرسال مواشيهم ترعى بالنهار، والأغلب عندهم أن من عنده زرع يتعاهده بالنهار ويحفظه عمن أراده، فجعل حفظ ذلك بالنهار على أهل الزروع؛ لأنه وقت التصرف في المعاش، كما قال الله سبحانه وتعالى: «وجعلنا النهار معاشا» «النبأ: 11» فإذا جاء الليل فقد جاء الوقت الذي يرجع كل شيء إلى موضعه وسكنه؛ كما قال الله تعالى: «من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه» «القصص: 72» وقال: «وجعل الليل سكنا» «الأنعام: 96» ويرد أهل المواشي مواشيهم إلى مواضعهم ليحفظوها، فإذا فرط صاحب الماشية في ردها إلى منزله، وفرط في ضبطها وحبسها عن الانتشار بالليل حتى أتلفت شيئا فعليه ضمان ذلك، فجرى الحكم الأوفق الأسمح، وكان ذلك أرفق بالفريقين، وأسهل على الطائفتين، وأحفظ للمالين، وقد وضح الصبح لذي عينين، ولكن لسليم الحاستين؛ وأما قول الليث: لا يضمن أكثر من قيمة المال فقد قال أبو عمر: لا أعلم من أين قال هذا الليث بن سعد، إلا أن يجعله قياسا على العبد الجاني لا يفتك بأكثر من قيمته ولا يلزم سيده في جنايته أكثر من قيمته، وهذا ضعيف الوجه؛ كما قال في «التمهيد» وفي «الاستذكار» فخالف الحديث في «العجماء جرحها جبار» وخالف ناقة البراء، وقد تقدمه إلى ذلك طائفة من العلماء منهم عطاء. قال ابن جريج قلت لعطاء: الحرث الماشية ليلا أو نهارا؟ قال: يضمن صاحبها ويغرم.
قلت: كان عليه حظرا أو لم يكن؟ قال نعم! يغرم. قلت: ما يغرم؟ قال: قيمة ما أكل حماره ودابته وماشيته. وقال معمر عن ابن شبرمة: يقوم الزرع على حاله التي أصيب عليها دراهم. وروي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبدالعزيز رضي الله عنهما: يضمن رب الماشية ليلا أو نهارا، من طرق لا تصح.قال مالك: ويقوم الزرع الذي أفسدت المواشي بالليل على الرجاء والخوف. قال: والحوائط التي تحرس والتي لا تحرس، والمحظر عليها وغير المحظر سواء، يغرم أهلها ما أصابت بالليل بالغا ما بلغ، وإن كان أكثر من قيمتها.
قال: وإن انفلتت دابة بالليل فوطئت على رجل نائم لم يغرم صاحبها شيئا، وإنما هذا في الحائط والزرع والحرث؛ ذكره عنه ابن عبدالحكم.
وقال ابن القاسم: ما أفسدت الماشية بالليل فهو في مال ربها، وإن كان أضعاف ثمنها؛ لأن الجناية من قبله إذ لم يربطها، وليست الماشية كالعبيد؛ حكاه سحنون وأصبغ وأبو زيد عن ابن القاسم.ولا يستأني بالزرع أن ينبت أولا ينبت كما يفعل في سن الصغير. وقال عيسى عن ابن القاسم: قيمته لو حل بيعه.
وقال أشهب وابن نافع في المجموعة عنه: وإن لم يبد صلاحه. ابن العربي: والأول أقوى لأنها صفته فتقوم كما يقوم كل متلف على صفته.لو لم يقض للمفسد له بشيء حتى نبت وانجبر فإن كان فيه قبل ذلك منفعة رعي أو شيء ضمن تلك المنفعة، وإن لم تكن فيه منفعة فلا ضمان.
وقال أصبغ: يضمن؛ لأن التلف قد تحقق والجبر ليس من جهته فلا يعتد له به. وقع في كتاب ابن سحنون أن الحديث إنما جاء في أمثال المدينة التي هي حيطان محدقة، وأما البلاد التي هي زروع متصلة غير محظرة، وبساتين كذلك، فيضمن أرباب النعم ما أفسدت من ليل أو نهار؛ كأنه ذهب إلى أن ترك تثقيف الحيوان في مثل هذه البلاد تعد؛ لأنها ولا بد تفسد. وهذا جنوب إلى قول الليث.
قال أصبغ في المدينة: ليس لأهل المواشي أن يخرجوا مواشيهم إلى قرى الزرع بغير ذواد؛ فركب العلماء على هذا أن البقعة لا تخلو أن تكون بقعة زرع، أو بقعة سرح، فإن كانت بقعة زرع فلا تدخلها ماشية إلا ماشية تجتاح، وعلى أربابها حفظها، وما أفسدت فصاحبها ضامن ليلا أو نهارا؛ وإن كانت بقعة سرح فعلى صاحب الذي حرثه فيها حفظه، ولا شيء على أرباب المواشي.المواشي على قسمين: ضواري وحريسة وعليهما قسمها مالك. فالضواري هي المعتادة للزرع والثمار، فقال مالك: تغرب وتباع في بلد لا زرع فيه؛ رواه ابن القاسم في الكتاب وغيره.
قال ابن حبيب: وإن كره ذلك ربها، وكذلك قال مالك في الدابة التي ضريت في إفساد الزرع: تغرب وتباع. وأما ما يستطاع الاحتراس منه فلا يؤمر صاحبه بإخراجه.قال أصبغ: النحل والحمام والإوز والدجاج كالماشية، لا يمنع صاحبها من اتخاذها وإن «ضريت»، وعلى أهل القرية حفظ زروعهم. قال ابن العربي: وهذه رواية ضعيفة لا يلتفت إليها من أراد أن يجد ما ينتفع به مما لا يضر بغيره مكن منه، وأما انتفاعه بما يتخذه بإضراره بأحد فلا سبيل إليه.
قال عليه السلام: «لا ضرر ولا ضرار» وهذه الضواري عن ابن القاسم في المدينة لا ضمان على أربابها إلا بعد التقدم ابن العربي: وأرى الضمان عليهم قبل التقدم إذا كانت ضواري.ذكر عبدالرزاق عن معمر عن قتادة عن الشعبي أن شاة وقعت في غزل حائك فاختصموا إلى شريح، فقال الشعبي: انظروه فإنه سيسألهم ليلا وقعت فيه أو نهارا؛ ففعل.
ثم قال: إن كان بالليل ضمن، وإن كان بالنهار لم يضمن، ثم قرأ شريح «إذ نقشت فيه غنم القوم» قال: والنفش بالليل والهمل بالنهار.قلت: ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم «العجماء جرحها جبار» الحديث.
وقال ابن شهاب: والجبار الهدر، والعجماء البهيمة، قال علماؤنا: ظاهر قوله: «العجماء جرحها جبار» أن ما انفردت البهيمة بإتلافه لم يكن فيه شيء، وهذا مجمع عليه. فلو كان معها قائد أو سائق أو راكب فحملها أحدهم على شيء فأتلفته لزمه حكم المتلف؛ فإن كانت جناية مضمونة بالقصاص وكان الحمل عمدا كان فيه القصاص ولا يختلف فيه؛ لأن الدابة كالآلة. وإن كان عن غير قصد كانت فيه الدية على العاقلة.
وفي الأموال الغرامة في مال الجاني.واختلفوا فيمن أصابته برجلها أو ذنبها، فلم يضمن مالك والليث والأوزاعي صاحبها، وضمنه الشافعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة. واختلفوا في الضارية فجمهورهم أنها كغيرها، ومالك وبعض أصحابه يضمنونه.روى سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرجل جبار» قال الدارقطني: لم يروه غير سفيان بن حسين ولم يتابع عليه، وخالفه الحفاظ عن الزهري منهم مالك وابن عيينة ويونس ومعمر وابن جريج والزبيدي وعقيل وليث بن سعد، وغيرهم كلهم رووه عن الزهري فقالوا: «العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار» ولم يذكروا الرجل وهو الصواب. وكذلك روى أبو صالح السمان، وعبدالرحمن الأعرج، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن زياد وغيرهم عن أبي هريرة، ولم يذكروا فيه «والرجل جبار» وهو المحفوظ عن أبي هريرة.قوله: «والبئر جبار» قد روى موضعه «والنار» قال الدارقطني: حدثنا حمزة بن القاسم الهاشمي حدثنا حنبل بن إسحاق قال سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل يقول في حديث عبدالرزاق: حديث أبي هريرة «والنار جبار» ليس بشيء لم يكن في الكتاب باطل ليس هو بصحيح. حدثنا محمد بن مخلد حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن هانئ قال سمعت أحمد بن حنبل يقول: أهل اليمن يكتبون النار النير ويكتبون البير؛ يعني مثل ذلك. وإنما لقن عبدالرزاق «النار جبار» . وقال الرمادي: قال عبدالرزاق قال معمر لا أراه إلا وهما.
قال أبو عمر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «النار جبار» وقال يحيي بن معين: أصله البئر ولكن معمرا صحفه قال أبو عمر: لم يأت ابن معين على قوله هذا بدليل، وليس هكذا ترد أحاديث الثقات. ذكر وكيع عن عبدالعزيز بن حصين عن يحي بن يحي الغساني قال: أحرق رجل سافي قراح له فخرجت شررة من نار حتى أحرقت شيئا لجاره. قال: فكتب فيه إلى عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه ابن حصين فكتب إلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العجماء جبار» وأرى أن النار جبار.
وقد روي «والسائمة جبار» بدل العجماء فهذا ما ورد في ألفاظ هذا الحديث ولكل معنى لفظ صحيح مذكور في شرح الحديث وكتب الفقه.قوله تعالى: «وسخرنا مع داود الجبال يسبحن» قال وهب: كان داود يمر بالجبال مسبحا والجبال تجاوبه بالتسبيح، وكذلك الطير. وقيل كان داود إذا وجد فترة أمر الجبال فسبحت حتى يشتاق؛ ولهذا قال: «وسخرنا» أي جعلناها بحيث تطيعه إذا أمرها بالتسبيح. وقيل: إن سيرها معه تسبيحها، والتسبيح مأخوذ من السباحة؛ دليله قوله تعالى: «يا جبال أوبي معه» «سبأ: 10» . وقال قتادة: «يسبحن» يصلين معه إذا صلى، والتسبيح الصلاة. وكل محتمل. وذلك فعل الله تعالى بها؛ ذلك لأن الجبال لا تعقل فتسبيحها دلالة على تنزيه الله تعالى عن صفات العاجزين والمحدثين.


تفسير القرطبي_أبو عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي



السبت، ديسمبر 04، 2010

وجعلنا نومكم سباتاً

مدلولات النوم
جاءت لفظة «النوم» بمشتقاتها في القرآن الكريم تسع مرات.(1) قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ (الفرقان :47). وجاء التعبير عن النوم بلفظ «النعاس» و «نعاسـا» في موضعين من كتاب الله العزيـز.(2) يقول تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ (الأنفال:11). وكذلك جاء التعبير عن النوم بلفظة «السكَن» ومشتقاتها سـبع مرات.(3) وبتعبير «السبات» مرتين.(4) يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ (النبأ: 9-11) وجاء التعبير عن النوم بلفظة «بياتا» في ثلاثة مواضع.(5)
كذلك ذكر الليل في القرآن الكريم في (92) موضعا، وذكر النهار في (57) موضعا، بالإضافة إلى ورود لفظتَي «الصبح» و «الإصباح» ومشتقاتهما بمدلول النهار في مواضع عديدة من كتاب الله (41) مرة؛ وكذلك لفظة «اليوم» ومشتقاتها (وجاءت في 365 موضعا) لتدل في بعض هذه المواضع على النهار؛ ولفظة «الفلق» ومشتقاتها والتي جاءت كذلك بمدلول النهار في موضعين.(6) قال تعالى ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (الأنعام: 96). وفي هذه الإشارات القرآنية يذكرنا ربنا تبارك وتعالى بأنة قد جعل الليل والنهار آيتين من آياته الكونية التي تستحق من كل إنسان عاقل أن يتوقف عندهما وأن يتأمل دلالاتهما؛ وذلك لأن تبادل كل من الليل والنهار واختلافهما وتعاقبهما هو من الأمور اللازمة لاستقامة الحياة على الأرض، لأنه بدون ذلك التبادل ما كان ممكنا للحياة أن تقوم أو أن تنتظم في مسيراتها المختلفة؛ وذلك لعدم انتظام توزيع الطاقة على سطح الأرض، ولتلاشى الإحساس بمرور الزمن وتتابع الأحداث.
أهمّية تعاقب الليل والنهار
فبهذا التبادل بين الإظلام والنور يتم التحكم في درجات الحرارة والرطوبة وكمّيات الضوء اللازمة للحياة الأرضية في مختلف بيئاتها؛ كما يتم التحكم في العديد من الأنشطة الحياتية من مثل التنفس، النَّتْح، التمثيل الضوئي، الأَيْض، كما يتم ضبط التركيب الكيميائي للغلاف الغازيّ المحيط بالأرض، وتتم دورة الماء بين الأرض والسماء، ويتم ضبط حركات كل من الرياح والسحاب ونزول المطر بإذن الله تعالى وغير ذلك من العمليات والظواهر التي بدونها لا يمكن للأرض أن تكون صالحة لاستقبال الحياة.
ونحن نعلم أن كل صور الحياة الأرضية لا تتحمل مواصلة العمل دون أخذ قسط كامل من الراحة وإلا هلكت، وينطبق ذلك على كل من الإنسان والحيوان والنبات.
العقل البشري والنوم
فالإنسان يحتاج إلى أن يسكن بالليل، وإلى أن يخلد فيه إلى شيء من الاسترخاء والراحة والعبادة والنوم حتى يستعيد نشاطه البدني والذهني والروحي والنفسي، ويستجمع قواه للعمل في النهار التالي وما يتطلبه ذلك من حسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض. وذلك لتعويض ما فقده الجسم من خلايا أثناء يقظته وترميم ما تلِف منها وتجديد ما يحتاج الجسم إلى تجديده. وقد ثبت بالتجربة أن مخ الإنسان هو أكثر أجزاء جسده حاجة إلى النوم. ولذلك يمنّ علينا ربنا تبارك وتعالى بجَعْل الليل للراحة والسكن، وجعل النهار للكدح والعمل فيقول عز من قائل:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ* قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ* وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (القصص: 72-74).
ومعنى ذلك أن الله تعالى قد جعل للإنسان دورةً يومية مع تعاقب الليل والنهار، يَبدؤها بالتبكير لصلاة الفجر، والقيلولة في الظهيرة، والاستيقاظ قبل صلاة العصر، وعدم السهر بعد أداء صلاة العشاء إلا لضرورة، وذلك لتوفير إمكانية القيام في الثلث الأخير من الليل لأداء سنة التهجد. ولذلك أخرج الإمام أحمد في مسنده قول الرسول صلى الله عليه وسلم : «لا سَمَر بعد الصلاة -يعني العشاء الآخرة- إلا لأحد رجلين: مصلٍّ أو مسافر». ولا يرخَّص في ذلك إلا لطلب العلم أو أداء ما لا بد منه من أعمال. كذلك قولَه عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم: «أغلقوا الأبواب بالليل، وأطفئوا السُّرُج، وأوكوا (أي: أَحكِموا أربطة) الأسقية، وخمروا (أي غطّوا) الطعام والشراب ولو أن تعرُضُوا عليه شيئًا».
وقد ثبت بالتجربة العمَلية وبالتحاليل المختبرية أنّ أصحّ نوم الإنسان هو في الساعات الأولى من الليل (ثُلثَي الليل الأوّلان)، وأنّ نشاط جسم الإنسان يتحرك من حدّه الأدنى إلى حدّه الأقصى ثم يتراجع ليصل إلى الحد الأدنى في دورات منتظمة وفق خطة يومية ثابتة تحددها العوامل الوراثية وتضبطها أو تشوِّهها الممارسات الفردية.
ففي أثناء النهار ينشط في جسم الإنسان كل من أجهزته التالية: الجهاز العصَبي، الدوري، التنفّسي؛ كما يزداد إفراز كل من الهرمونات التي توفر الطاقة للجسم مثل «الكورتيزون» والهرمونات المحفّزه لإفرازه، وتزداد حاجة الجسم إلى الكربوهيدرات وفي مقدمتها السكر، وينشط تحليل كل من البروتينات والدهون لتعطي طاقة الحركة والنشاط للجسم.
بينما في الليل يزداد إفراز الهرمونات الداعية للجسم إلى الراحة والاسترخاء مثل «الميلاتونين» و «البورستاجلاندين»، كما تنشط دفاعات الجسم الذاتية من مثل الجهاز العصبي غير الوديّ، والجهاز الليمفاوي، وكرات الدم البيضاء، وغيرها من أجهزة المَناعة فى الجسم؛ بينما يقل إفراز هرمون «الكورتيزون» و «الأدرينالين»، و «الكورتزول» وكلها من الإفرازات المنشطة للجسم.
وينظِّم نشاطَ جسم الإنسان بالنهار ويثبِّطه بالليل ما يُعرف باسم «الساعة الحيَوية»، وهي عبارة عن مركز في المخّ فيما يُعرف باسم «النّواة فوق التصالبة» وينتشر منها إلى العديد من خلايا الجسم وأنسجته.
ويتحكم في هذه الساعة أربع من حاملات الصفات الوراثية (المورثات أو الجينات) التي تتأثر بدورة الظلام والنور والضوضاء والسكون، وبذلك تتحكم في ساعات اليقَظة والمنام.
الساعة الحيوية وأوقات الصلاة
وعلى ذلك فإن النوم كظاهرة حيوية أمر لازم للإنسان؛ فيه يفقد جزءً من إدراكه فتنقطع حواسّه عما يحيط به وتظل أجهزته الجسدية في العمل، فيأخذ كلٌّ من عَقْلة وبدَنه قسطا من الراحة ليعود بعد يقظته حيويا نشيطا قادرا على مواجهة مسئولياته؛ وعلى ذلك فإن النوم نعمة من نعم الله العديدة على الإنسان، كما أن الانتظام في أداء الصلوات الإسلامية على وقتها يضبط الساعة الحيوية في جسم الإنسان ضبطًا دقيقا يتوافق مع ما فطَرها الله تعالى عليه.
فاليقظة مبكرا لأداء صلاة الفجر يتوافق مع الدروة في إفراز هرمونات النشاط في جسم الإنسان. والقيلولة بعد أداء صلاة الظهر تزيل التوتّرات الناتجة عن النشاط الصباحي وما يصاحبه من إفرازات للهرمونات المعينة عليه، وتعطي لجسم الإنسان الفرصة لأخذ قسط من الراحة. والاستيقاظ لأداة صلاة العصر يتوافق مع قمّة إفراز الأدرينالين المعين على البعد عن التوتر. والاستعداد لصلاة المغرب إيذانا ببدء ليل جديد يصاحبه زيادة واضحة في إفراز الهرمونات التي تعين على الاسترخاء من مثل هرمون «الميلاتونين».
وختام النشاط بأداء صلاة العشاء والاستعداد للخلود إلى النوم في أكثر ساعات الليل مواءمة لتلقي جسم الإنسان قسطه الكافي من الراحة في ثلثي الليل الأولين، ليقوم في ثلثه الأخير لأداء سنة التهجد في أبرك ساعات الليل، ويستعد لأداء صلاة الفجر مع أول خيوط النهار الجديد، ومع بدء دورة جديدة للساعة الحيوية في داخل الجسد في وقتها المضبوط حسب فطرة الخالق جل جلاله لها.
علاقة النوم بالموت
يقارن القرآن الكريم النوم بالموت ويعتبره موتةً صُغرى تذكر الإنسان بالموتة الكبرى التي هي حتما قادمة في موعد لا يعلمه إلا الله تعالى، وذلك لأنه في كلٍّ من الحالتين تغادر الروح الجسد مغادرة مؤقتة في حالة النوم ومغادرة مستمرة إلى يوم البعث في حالة الموت. وقد أثبت بروفسور «آرثر أليسن» رئيس قسم الهندسة الكهربائية والإليكترونية بجامعة لندن في بحثه المقدم إلى مؤتمر الإعجاز العلمي للقرآن الكريم الذي عقد بالقاهرة سنة 1985م أن هناك قدرا من الطاقة يغادر جسد الميت ولا يعود، بينما يغادر جسم النائم ويعود إليه عند استيقاظة؛ وفي ذلك يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿اَللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ َلآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الزمر: 42).
من آيات السُّنَّة في النوم
يسنّ النوم على الجانب الأيمن متّجها إلى القبلة؛ وقد أثبتت الدراسات الطبية أن هذا هوأ وضع لنوم الإنسان لتحاشي ضغط الأحشاء على القلب وعلى كل من الأوردة والشرايين الرئيسية في جسمه. وقد ذكر ربنا تبارك وتعالى في سورة الكهف في آية ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ (الكهف: 18) أن أصحاب الكهف الذين ناموا لمدة 300 سنة شمسية (309 سنة قمَرية) كانوا في أمسّ الحاجة إلى أن يقلبوا ذات اليمين وذات الشمال حتى لا يصابوا بما يعرف باسم «التقرّحات السريرية» والتي تصيب المرضى الذين لا يستطيعون النهوض من السرير فتتقرح جنوبهم والله تعالى أعلى وأعلم.

أ.د. زغلول النجار
______________________

(1) البقرة: 255؛ الأعراف: 97؛ الأنفال: 43؛ الفرقان: 47؛ الروم: 23؛ الصافات: 102؛ الزمر: 42؛ القلم: 19؛ النبأ: 9.
(2) الأنفال: 11؛ آل عمران: 154.
(3) الأنعام: 13،96؛ يونس: 67؛ القصص: 72،73؛ غافر:61؛ النمل: 86.
(4) الفرقان: 47؛ النبأ: 9.
(5) الأعراف: 4، 97؛ يونس: 50.
(6) الأنعام: 96؛ الفلق:1.