‏إظهار الرسائل ذات التسميات وعظ. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات وعظ. إظهار كافة الرسائل

السبت، سبتمبر 17، 2011

انتقائية الهوى والإنصاف


اسم المسجد: المسجد الحرام.

اسم الخطيب: فضيلة الشيخ سعود الشريم.

عنوان الخطبة: "انتقائية الهوى والإنصاف".

تاريخ الخطبة: 01- 04-2011م.

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران: 102).

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (النساء: 1).

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (الأحزاب: 70، 71).

أما بعد، فيا أيها الناس:

مقولةٌ مشهورة، تناقلها الماضون الغابرون، وسارَت بها الرُّكبان في المشرق والمغرب، وحكاها اللاحِق عن السابق بالوراثة العلمية الخبرية، حتى صارت عبارةً حاسمةً في محل النزاع، وسياجًا منيعًا أمام أي سطوٍ أو تجاوُز، ضاربةً بالأهواء والشُّبهات والشهوات عُرْض الحائط، لها وقعُ المطارِق على كل ذي ميلٍ وحَيْدة، ويُسمَع لها رجعُ الصدَى في ساحات الباحثين عن الحق والعدل، والتوازن والاعتدال.

إنها كلماتٌ يسيرة المبنى واسعةُ المعنى، إنها تلكم الكلمات المشهورة التي أُثِرت عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، وعن مجاهدٍ والإمام مالك - رحمهما الله -، وهي قولهم: "ليس أحدٌ بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا يُؤخَذ من قوله ويُترَك إلا النبي - صلى الله عليه وسلم -".

إنها لنعمَ الميزان - عباد الله -، ولنِعم القِسط والحكم.

أيها المسلمون:

إننا نعيشُ زمنًا مُلتهبًا من أبرز معالمه: الفورة الإعلامية الظاهرة التي قرَّبَت البعيد، وأدنَت النائي، وبلغَت مبلغًا أضحَت به منظارًا أو حلبةً للمُطارَحات الفكرية، والعلمية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وغيرها.

وعند النظر الثاقِب والعقل المُتيقِّظ يتَّضِح جليًّا ما يكتنِفُ تلك الفورة من الدور البارِز في التأثير الآنِيّ في المُتلقِّي، وإثارة المشاعر، والاعتماد على التعبيرات العاطفية، حتى وإن كانت عاريةً عن الأدلة الشرعية الصحيحة، والمُقدِّمات العقلية الصريحة، وهي مبنيةٌ - في الغالب - على الظن الكاذب، والتهويل الزائف، والهوى والتحيُّز الجازِمَيْن على أفئدة جملةٍ من ذوي الأقلام السيَّالة، والمُطارَحات الميَّالة، والكرِّ والفرِّ الصُّحُفيّ.

رائدُهم في ذلك: السبق في الطرح، وكسبُ القرَّاء والمُشاهدين والمُستمعين، والتلبيس وخلطُ الأوراق على العامة، وذلكم من خلال تمثيل وجهة نظرٍ واحدة، وهي وجهة نظر الغالب أو المُسيطِر في حين إنها انتقائيةٌ مُوجَّهة لا تخضع لقوةٍ مُنصِفة، ولا لوازعٍ مهيب.

وهذا ما يُؤسِفُ ذوي الألباب، وأصحاب الفِطَر السلمية، وقديمًا قيل: "ويلٌ للشجِيِّ من الخلِيِّ".

ومن هنا - عباد الله - تبرُزُ الانتقائيةُ الباطِشة فتنهَشُ العدلَ والإنصافَ والوسطية، نعم؛ الوسطية التي هي الحق أيًّا كان، لا الوسطية التي هي وسطٌ بين طرفين، كما يفهم ذلك بعضُ من لم ترتقِ أفهامُهم لحقيقة الوسطية والمراد بها.

نعم - أيها المسلمون- إنها الانتقائية السائدة إبَّان فترةٍ من الإنصاف والقِسط ونُشدان الحقيقة، ولا غَرْوَ على أحدٍ يريد أن يحكُم على مجتمعٍ ما في ثقافته وفكره وعلمه أن ينظر موقِع مُثقَّفيه وكتَبَته من الانتقائية قُربًا أو بُعدًا، فعلاً أو قولاً.

الانتقائية التي نعنيها هنا - عباد الله - هي: تضخيمُ الجانب الأقل خطرًا على حساب القيمة الحقيقية عن الجانب الأخطر، أو بعبارةٍ أخرى: هي التمسُّك بالحقيقة فيما يُوافِق هوى النفس، والنأْيُ عنها وتحميسُها فيما لا يُوافِقُ ذلك.

وقد تكون أحيانًا أخرى في التمسُّك بما يُوافِقُ الهوى والمصلحة الذاتية وإن كان لا قوة له في الشرع والمنطق، أو التهويل لما يُخالف الهوى والمصلحة، وإن كان قويًّا في الدلالة، صريحًا في المنطق.

وهذه الصفة - عباد الله - هي سببُ مقت الله لأممٍ تدثَّرَت بها، كما قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} (البقرة: 85)، وهي التي أرادها الله بقوله: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} (المطففين: 1- 3).

نعم، إنها الانتقائية التي تصرِفُ الاختيار والانحياز لما تميلُ إليه الشهوة، وتتطلَّبُه المصلحةُ الشخصية دون اكتراثٍ بالقيمة المطلقة للحق، ووجوب الأخذ به، وإن كان له مرارةٌ على النفس، وهذا ما نقرأه في كتاب ربنا عمن قال الله فيهم: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} (التوبة: 58).

قال ابن القيم - رحمه الله -: "وقد ذمَّ الله تعالى من يردُّ الحقَّ إذا جاء به من يُبغِضُه، ويقبَله إذا جاء به من يُحبُّه، فهذا خُلُق الأمة الغضبية".

ويشتد الأمر خطورةً - عباد الله - حينما تكون الدعوة إلى الله ورسوله ليحكُم بين الناس فيما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فتبرُز الانتقائية المَشينة، حتى في حال تواجُد هيبة الحق الشرعي، وطلب الرجوع إليه، كما قال تعالى واصفًا أمثالهم: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (النور: 48- 50).

ولقد أحسن الإمامُ الدارمي - رحمه الله - حين ردَّ على بعض أهل الأهواء الذين ردُّوا النصوص المُثبِتة رؤية المؤمنين ربهم، ثم تمسَّكوا بأثرٍ ضعيفٍ عن مجاهدٍ - رحمه الله - فسَّر فيه قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (القيامة: 22، 23) أي: تنتظر ثوابَ ربها، فقال الدارمي: "أوَ لستم زعمتم أنكم لا تقبلون هذه الآثار ولا تحتجُّون بها؛ فكيف تحتجُّون بالأثر عن مجاهد إذ وجدتم سبيلاً إلى التعلُّق به لباطلكم على غير بيان، وتركتم آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتابعين إذ خالفَت مذهبَكم إلا من ريبةٍ وشذوذٍ عن الحق؟!".

إنها الانتقائية - عباد الله -، نعم؛ إنها الانتقائية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وهي عدم قبول الحق إلا إذا كان يخدم القضية الشخصية، والمصلحة الفكرية؛ بل حتى في تهذيب النفس حال التلبُّس بالمعصية؛ حيث لا تستحضِر بعض النفوس المُبتلاة بالانتقائية إلا أن الله غفورٌ رحيم، ويغُضُّون الطرفَ عن كونه شديدَ العِقاب.

نرى المُلتاثين بالانتقائية يستحضِرون الأدلة على وجوب الأمر والنهي في الإصلاح والاحتساب على الوُلاة، ويغُضُّون الطرفَ عن أدلة السمع والطاعة في المعروف، ولزوم جماعة المسلمين وإمامهم، ولا ينظرون إلا إلى قول الله لموسى - عليه الصلاة والسلام - حينما قال: {وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} (الإسراء: 102)، ونسوا قول الله - جل وعلا - لموسى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} (طه: 44)، ونراهم كذلك يُمارِسون الإسقاط الذهني فيما لو سرق شخصٌ في المسجد بأنه ينبغي أن يُهدَم هذا المسجد، وفيما لو أن مُحجَّبةً غشَّت وخدَعَت بأنه يجبُ نزعُ الحِجاب، فلا هم دعوا إلى قطع يد السارق، ولا تعزير تلك التي غشَّت وخدَعت، وإنما دعَوا إلى هدم المسجد ونزع الحِجاب، وهنا مكمن الانتقائية المُتسلِّطة.

ولذا كان من سِمات الانتقائيين: أنهم يقتلون النفسَ التي حرَّم الله، ويسألون عن قتل الذباب في الحَرَم! ولسان حالهم يقول:

أصُمُّ عن الأمر الذي لا أريده
وأسمع خلقَ الله حين أشاء

ومن سِماتهم أيضًا: أنهم لا يرون إلا القذاة ويغُضُّون الطرفَ عن الورم، فيُمارِسون الازدواجية، وخِداع الذات، والتنويم الفكري للنفس والمجتمع، من خلال أسلوب الإسقاط الذهني والأخلاقي؛ لأجل ما تهواه النفس وتميلُ إليه، لا لما يجبُ أن يكون وفقًا لما أمر الله به وأمر به رسوله - صلى الله عليه وسلم -، أو نهى عنه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.

{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} (النور: 51، 52).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلتُ ما قلت، إن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفَّارًا.

الخطبة الثانية:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

وبعد:

فاعلموا - يا رعاكم الله - أن الانتقائية صفةٌ مذمومة، وعوارٌ مشين؛ إذ هي تُفقِدُ المصداقية والتوازن، وحينما يتَّصِفُ بها شخصٌ ما فكأنما يحكُم على نفسه بالسقوط والحِطَّة من أعين ذوي الأفهام السليمة، فلن ينجح أو يُفلِح والدٌ انتقائي ولا صديقٌ انتقائي ولا مُعلِّمٌ انتقائي، وقولوا مثل ذلكم في طالب العلم والمُفكِّر والكاتب والناصح والسياسي.

ومَن حالُه مُلتاثةٌ بالانتقائية فستكشِفُه الصروف لا محالة؛ لأن من استطيَر وراء لهب الانتقائية، فقد يُصدَمُ غدًا بنقيض حاله حينما يحتاج إلى ضد انتقائيته الأولى، ولات ساعة استطاعة.

ولأجل هذا كان مما أوصى به رسولُنا - صلى الله عليه وسلم - أحدَ صحابته أن قال له: "ولا تكلَّم بكلامٍ تعتذر منه غدًا"؛ رواه أحمد وابن ماجه.

ولأجل أن نرفع الانتقائية عن واقعنا فإنه يجبُ علينا استحضار أمرين مهمين:

أحدهما: توفير المنظور السليم في العرض.

وثانيهما: شمول الرؤية في العرض.

وقد حرِصَ سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - على تأكيد هذين الأمرين في الشاب الذي جاء إليه - كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد - وطلبَه أن يأذَن له بالزِّنَا، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أتُحبُّه لأمك؟"، قال: لا والله، جعلني الله فِداك، قال: "ولا الناسُ يُحبُّونه لأمهاتهم"، ثم سأله بعد ذلك: هل يحبُّه لابنته، ولأخته، ولعمته، ولخالته.

ومن هذه القصة يُؤصِّلُ موقفُ النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفوسنا منهجًا في الحكم على الأشياء والتعامُل معها، وذلك من خلال توفُّر عنصرين أساسين، وهما: عنصر العدل، وعنصر العلم؛ لأنه ينبغي علينا في جميع شؤوننا أن نستهدِف الهداية لا الإغاضة، والتوجيه لا الإثارة، والنُّصحَ لا التعيير، والتبيين للناس لا التنفيس عن المشاعر الذاتية، والغيرَة للحق لا الانتصار للنفس.

ولا شك أن أثر النفع من أثر القصد، وإذا اختلَّ القصد فإنها الانتقائية ما منها بُدٌّ.

قال وكيع بالجراح: "أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم".

وقد وصف أبو الفرج ابن الجوزي - رحمه الله - بعضًا ممن وقع في الانتقائية التي نعني من أهل زمانه؛ حيث قال عنهم: "فإذا جاء حديثٌ ضعيفٌ يُخالفُ مذهبَهم بيَّنوا وجه الطعن، وإن كان موافقًا لمذهبهم سكتوا عن الطعن فيه، وهذا يُنبِئ عن قلة دينٍ وغلبَة هوى".

ومن أراد القبول عند الله وعند الناس - عباد الله - فليشحَذ همَّته إلى الوضوح والمصداقية واتقاء الانتقائية الحالِقة الفالِقة، ولله ما أحسن ما وُصِف به البخاري - رحمه الله - صاحب "الصحيح"؛ حيث إنه ذكر مسألةً في الزكاة في كتابه "الصحيح"، فقال عنه شُرَّاحُ "صحيحه": لقد وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم، لكن قادَه إلى ذلك الدليل.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (النساء: 135).

هذا؛ وصلُّوا - رحمكم الله - على خير البرية، وأزكى البشرية: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكة المُسبِّحة بقُدسه، وأيَّه بكم - أيها المؤمنون -، فقال - جل وعلا -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (الأحزاب : 56)، وقال - صلوات الله وسلامه عليه -: "من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا".

اللهم صلِّ وسلِّم وزِد وبارِك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واخذُل الشرك والمشركين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.

اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كرب المكروبين، واقضِ الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم وحِّد صفوف المسلمين، اللهم وحِّد صفوف المسلمين، وألِّف بين قلوبهم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.

اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلِح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.

{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (البقرة : 201).

سبحان ربنا رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


الخميس، أغسطس 18، 2011

الثلاثاء، أغسطس 02، 2011

الفتنة

معنى الفتنة
قال الراغب[1] فتن: أصل الفتن إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته، واستعمل في إدخال الإنسان النار، قال { يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ. ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ.} أي عذابكم وذلك نحو قوله: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ }  وقوله { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا } الاية وتارة يسمون ما يحصل عنه العذاب فيستعمل فيه نحو قوله { أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} وتارة في الاختبار نحو: { وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا } وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يدفع إليه الانسان من شدة ورخاء وهما في الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالا، وقد قال فيهما { وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً }.
وقال في الشدة (إنما نحن فتنة - والفتنة أشد من القتل - وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) وقال (ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا) أي يقول لا تبلنى ولا تعذبني وهم بقولهم ذلك وقعوا في البلية والعذاب.
وقال (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم) أي يبتليهم ويعذبهم وقال (واحذرهم أن يفتنوك - وإن كادوا ليفتنونك) أي يوقعونك في بلية وشدة في صرفهم إياك عما أوحى إليك وقوله (فتنتم أنفسكم) أي أوقعتموها في بلية وعذاب، وعلى هذا قوله (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) وقوله: (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة) فقد سماهم ههنا فتنة اعتبارا بما ينال الانسان من الاختبار بهم، وسماهم عدوا في قوله (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم) اعتبارا بما يتولد منهم وجعلهم زينة في قوله (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين) الآية.
اعتبارا بأحوال الناس في تزينهم بهم وقوله (الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) أي لا يختبرون فيميز خبيثهم من طيبهم كما قال (ليميز الله الخبيث من الطيب) وقوله (أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون) فإشارة إلى ما قال (ولنبلونكم بشئ من الخوف) الآية.
وعلى هذا قوله: (وحسبوا ألا تكون فتنة) والفتنة من الأفعال التى تكون من الله تعالى ومن العبد كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب وغير ذلك من الأفعال الكريهة، ومتى كان من الله يكون على وجه الحكمة، ومتى كان من الإنسان بغير أمر الله يكون بضد ذلك، ولهذا يذم الله الإنسان بأنواع الفتنة في كل مكان نحو قوله: (والفتنة أشد من القتل - إن الذين فتنوا المؤمنين - ما أنتم عليه بفاتنين) أي بمضلين وقوله: (بأيكم المفتون) قال الأخفش: المفتون الفتنة كقولك ليس له معقول، وخذ ميسوره ودع معسوره، فتقديره بأيكم الفتون.
وقال غيره: أيكم المفتون والباء زائدة كقوله: (كفى بالله شهيدا)، وقوله: (واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) فقد عدى ذلك بعن تعدية خدعوك لما أشار بمعناه إليه.
وفي اللسان[2]: ( فتن ) الأَزهري وغيره جِماعُ معنى الفِتْنة الابتلاء والامْتِحانُ والاختبار وأَصلها مأْخوذ من قولك فتَنْتُ الفضة والذهب إِذا أَذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيِّدِ
وفي الصحاح إِذا أَدخلته النار لتنظر ما جَوْدَتُه ودينار مَفْتُون والفَتْنُ الإِحْراقُ ومن هذا قوله عز وجل يومَ هم على النارِ يُفْتَنُونَ أَي يُحْرَقون بالنار ويسمى الصائغ الفَتَّان وكذلك الشيطان ومن هذا قيل للحجارة السُّود التي كأَنها أُحْرِقَتْ بالنار الفَتِينُ وقيل في قوله يومَ همْ على النار يُفْتَنُونَ قال يُقَرَّرونَ والله بذنوبهم ووَرِقٌ فَتِينٌ أَي فِضَّة مُحْرَقَة ابن الأَعرابي
الفِتْنة الاختبار والفِتْنة المِحْنة والفِتْنة المال والفِتْنة الأَوْلادُ والفِتْنة الكُفْرُ والفِتْنةُ اختلافُ الناس بالآراء والفِتْنةُ الإِحراق بالنار وقيل الفِتْنة في التأْويل الظُّلْم يقال فلان مَفْتُونٌ بطلب الدنيا قد غَلا في طلبها ابن سيده
الفِتْنة الخِبْرَةُ وقوله عز وجل إِنا جعلناها فِتْنةً للظالمين أي خِبْرَةً ومعناه أَنهم أُفْتِنوا بشجرة الزَّقُّوم وكذَّبوا بكونها وذلك أَنهم لما سمعوا أَنها تخرج في أَصل الجحيم قالوا الشجر يَحْتَرِقُ في النار فكيف يَنْبُت الشجرُ في النار؟ فصارت فتنة لهم
وقوله عز وجل ربَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنةً للقوم الظالمين يقول لا تُظْهِرْهُم علينا فيُعْجبُوا ويظنوا أَنهم خير منا فالفِتْنة ههنا إِعجاب الكفار بكفرهم
ويقال فَتَنَ الرجلُ بالمرأَة وافْتَتَنَ وأَهل الحجاز يقولون فتَنَتْه المرأَةُ إِذا وَلَّهَتْه وأَحبها وأَهل نجد يقولون أَفْتَنَتْه قال أَعْشى هَمْدانَ فجاء باللغتين لئِنْ فتَنَتْني لَهْيَ بالأَمْسِ أَفْتَنَتْ سَعِيداً فأَمْسَى قد قَلا كلَّ مُسْلِم قال ابن بري قال ابن جني ويقال هذا البيت لابن قيسٍ وقال الأَصمعي هذا سمعناه من مُخَنَّثٍ وليس بثَبَتٍ لأَنه كان ينكر أَفْتَنَ وأَجازه أَبو زيد وقال هو في رجز رؤبة يعني قوله يُعْرِضْنَ إِعْراضاً لدِينِ المُفْتِنِ وقوله أَيضاً إِني وبعضَ المُفْتِنِينَ داوُدْ ويوسُفٌ كادَتْ به المَكايِيدْ قال وحكى أَبو القاسم الزجاج في أَماليه بسنده عن الأَصمعي قال حدَّثنا عُمر بن أَبي زائدة قال حدثتني أُم عمرو بنت الأَهْتم قالت مَرَرْنا ونحن جَوَارٍ بمجلس فيه سعيد بن جُبير ومعنا جارية تغني بِدُفٍّ معها وتقول لئن فتنتني لهي بالأَمس أَفتنت سعيداً فأَمسى قد قلا كل مسلم وأَلْقى مَصابيحَ القِراءةِ واشْترى وِصالَ الغَواني بالكتابِ المُتَمَّمِ فقال سعيد كَذَبْتُنَّ كذَبْتنَّ
والفِتْنةُ إِعجابُك بالشيء فتَنَه يَفْتِنُه فَتْناً وفُتُوناً فهو فاتِنٌ وأَفْتَنَه وأَباها الأَصمعي بالأَلف فأَنشد بيت رؤبة يُعْرِضْنَ إِعْراضاً لدِينِ المُفْتِنِ فلم يعرف البيت في الأُرجوزة وأَنشد الأَصمعي أَيضاً لئن فتَنَتْني لَهْيَ بالأَمسِ أَفتنتْ فلم يَعْبأْ به ولكن أَهل اللغة أَجازوا اللغتين
وقال سيبويه فتَنَه جعل فيه فِتْنةً وأَفْتَنه أَوْصَلَ الفِتْنة إليه قال سيبويه إِذا قال أَفْتَنْتُه فقد تعرض لفُتِنَ وإِذا قال فتَنْتُه فلم يتعرَّض لفُتِنَ وحكى أَبو زيد أُفْتِنَ الرجلُ بصيغة ما لم يسم فاعله أَي فُتِنَ وحكى الأَزهري عن ابن شميل افْتَتَنَ الرجلُ وافْتُتِنَ لغتان قال وهذا صحيح قال وأَما فتَنْتُه ففَتَنَ فهي لغة ضعيفة قال أَبو زيد فُتِنَ الرجلُ يُفْتَنُ فُتُوناً إِذا أَراد الفجور وقد فتَنْته فِتْنةً وفُتُوناً وقال أَبو السَّفَر أَفْتَنْتُه إِفْتاناً فهو مُفْتَنٌ وأُفْتِنَ الرجل وفُتِنَ فهو مَفْتُون إِذا أَصابته فِتْنة فذهب ماله أَو عقله وكذلك إِذا اخْتُبِرَ قال تعالى وفتَنَّاك فُتُوناً وقد فتَنَ وافْتَتَنَ جعله لازماً ومتعدياً وفتَّنْتُه تَفْتِيناً فهو مُفَتَّنٌ أَي مَفْتُون جدّاً والفُتُون أَيضاً الافْتِتانُ يتعدَّى ولا يتعدَّى ومنه قولهم قلب فاتِنٌ أَي مُفْتَتِنٌ قال الشاعر رَخِيمُ الكلامِ قَطِيعُ القِيا مِ أَمْسى فُؤادي بها فاتِنا والمَفْتُونُ الفِتْنة صيغ المصدرعلى لفظ المفعول كالمَعْقُول والمَجْلُودِ وقوله تعالى فسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ بأَيَّكُمُ المَفْتُونُ قال أَبو إِسحق معنى المَفْتُونِ الذي فُتِنَ بالجنون قال أَبو عبيدة معنى الباء الطرح كأَنه قال أَيُّكم المَفْتُونُ قال أَبو إِسحق ولا يجوز أَن تكون الباء لَغْواً ولا ذلك جائز في العربِية وفيه قولان للنحويين أَحدهما أَن المفْتُونَ ههنا بمعنى الفُتُونِ مصدر على المفعول كما قالوا ما له مَعْقُولٌ ولا مَعْقُودٌ رَأْيٌ وليس لفلان مَجْلُودٌ أَي ليس له جَلَدٌ ومثله المَيْسُورُ والمَعْسُورُ كأَنه قال بأَيِّكم الفُتون وهو الجُنون والقول الثاني فسَتُبْصِر ويُبْصِرُونَ في أَيِّ الفَريقينِ المَجْنونُ أَي في فرقة الإِسلام أَو في فرقة الكفر أَقامَ الباء مقام في وفي الصحاح إِن الباء في قوله بأَيِّكم المفتون زائدة كما زيدت في قوله تعالى قل كفى بالله شهيداً
قال والمَفْتُون الفِتْنةُ وهو مصدر كالمَحْلُوفِ والمَعْقول ويكون أَيُّكم الابتداء والمفتون خبره قال وقل وقال المازني المَفتون هو رفع بالابتداء وما قبله خبره كقولهم بمن مُروُرُك وعلى أَيِّهم نُزُولُك لأَن الأَول في معنى الظرف قال ابن بري إِذا كانت الباء زائدة فالمفتون الإِنسان وليس بمصدر فإِن جعلت الباء غير زائدة فالمفتون مصدر بمعنى الفُتُونِ وافْتَتَنَ في الشيء فُتِن فيه وفتَنَ إِلى النساءِ فُتُوناً وفُتِنَ إِليهن أَراد الفُجُور بهنَّ والفِتْنة الضلال والإِثم
والفاتِنُ المُضِلُّ عن الحق والفاتِنُ الشيطان لأَنه يُضِلُّ العِبادَ صفة غالبة وفي حديث قَيْلَة المُسْلم أَخو المُسْلم يَسَعُهُما الماءُ والشجرُ ويتعاونان على الفَتَّانِ الفَتَّانُ الشيطانُ الذي يَفْتِنُ الناس بِخداعِه وغروره وتَزْيينه المعاصي فإِذا نهى الرجلُ أَخاه عن ذلك فقد أَعانه على الشيطان
قال والفَتَّانُ أَيضاً اللص الذي يَعْرِضُ للرُّفْقَةِ في طريقهم فينبغي لهم أَن يتعاونوا على اللِّصِّ وجمع الفَتَّان فُتَّان والحديث يروى بفتح الفاء وضمها فمن رواه بالفتح فهو واحد وهو الشيطان لأَنه يَفْتِنُ الناسَ عن الدين ومن رواه بالضم فهو جمع فاتِنٍ أَي يُعاوِنُ أَحدُهما الآخرَ على الذين يُضِلُّون الناسَ عن الحق ويَفْتِنونهم وفَتَّانٌ من أَبنية المبالغة في الفِتْنة ومن الأَول قوله في الحديث أَفَتَّانٌ أَنت يا معاذ؟ وروى الزجاج عن المفسرين في قوله عز وجل فتَنْتُمْ أَنفُسَكُمْ وتَرَبَّصْتُم استعملتموها في الفِتْنة وقيل أَنَمْتُموها وقوله تعالى وفتَنَّاكَ فُتُوناً أَي أَخلَصناكَ إِخلاصاً وقوله عز وجل ومنهم من يقول ائْذَنْ لي ولا تَفْتِنِّي أَي لا تُؤْثِمْني بأَمرك إِيايَ بالخروج وذلك غير مُتَيَسِّرٍ لي فآثَمُ قال الزجاج وقيل إِن المنافقين هَزَؤُوا بالمسلمين في غزوة تَبُوكَ فقالوا يريدون بنات الأَصفر فقال لا تَفْتِنِّي أَي لا تَفْتِنِّي ببنات الأَصفر فأَعلم الله سبحانه وتعالى أَنهم قد سقَطوا في الفِتْنةِ أَي في الإِثم
وفتَنَ الرجلَ أَي أَزاله عما كان عليه ومنه قوله عز وجل وإِن كادوا ليَفتِنونك عن الذي أَوْحَيْنا إِليك أَي يُمِيلُونك ويُزِيلُونك ابن الأَنباري وقولهم فتَنَتْ فلانة فُلاناً قال بعضهم معناه أَمالته عن القصد والفِتْنة في كلامهم معناه المُمِيلَةُ عن الحق وقوله عز وجل ما أَنتم عليه بفاتِنينَ إِلا من هو صالِ الجحِيمِ فسره ثعلب فقال لا تَقْدِرون أَن تَفْتِنُوا إِلا من قُضِيَ عليه أَن يدخل النار وعَدَّى بفاتِنين بِعَلَى لأَن فيه معنى قادرين فعدَّاه بما كان يُعَدَّى به قادرين لو لفِظَ به وقيل الفِتْنةُ الإِضلال في قوله ما أَنتم عليه بفاتنين يقول ما أَنتم بِمُضِلِّين إِلا من أَضَلَّه الله أَي لستم تُضِلُّونَ إِلا أَهلَ النار الذين سبق علم الله في ضلالهم قال الفراء أَهل الحجاز يقولون ما أَنتم عليه بفاتِنينَ وأَهل نجد يقولون بمُفْتِنينَ من أَفْتَنْتُ والفِتْنةُ الجُنون وكذلك الفُتُون
وقوله تعالى والفِتْنةُ أَشدُّ من القَتْلِ معنى الفِتْنة ههنا الكفر كذلك قال أَهل التفسير قال ابن سيده والفِتْنةُ الكُفْر وفي التنزيل العزيز وقاتِلُوهم حتى لا تكونَ فِتْنة والفِتْنةُ الفَضِيحة وقوله عز وجل ومن يرد الله فِتْنَتَه قيل معناه فضيحته وقيل كفره قال أَبو إِسحق ويجوز أَن يكون اختِبارَه بما يَظْهَرُ به أَمرُه والفِتْنة العذاب نحو تعذيب الكفار ضَعْفَى المؤمنين في أَول الإِسلام ليَصُدُّوهم عن الإِيمان كما مُطِّيَ بلالٌ على الرَّمْضاء يعذب حتى افْتَكَّه أَبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فأَعتقه
والفِتْنةُ ما يقع بين الناس من القتال والفِتْنةُ القتل ومنه قوله تعالى إِن خِفْتم أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا قال وكذلك قوله في سورة يونس على خَوْفٍ من فرعونَ ومَلَئِهِم أَن يَفْتِنَهُم أَي يقتلهم
وأَما قول النبي صلى الله عليه وسلم إِني أَرى الفِتَنَ خِلالَ بُيوتِكم فإِنه يكون القتل والحروب والاختلاف الذي يكون بين فِرَقِ المسلمين إِذا تَحَزَّبوا ويكون ما يُبْلَوْنَ به من زينة الدنيا وشهواتها فيُفْتَنُونَ بذلك عن الآخرة والعمل لها وقوله عليه السلام ما تَرَكْتُ فِتْنةً أَضَرَّ على الرجال من النساء يقول أَخاف أَن يُعْجُبوا بهنَّ فيشتغلوا عن الآخرة والعمل لها
والفِتْنةً الاختِبارُ وفتَنَه يَفْتِنُه اختَبَره وقوله عز وجل أَوَلا يَرَوْنَ أَنهم يُفْتَنُونَ في كل عام مرة أَو مرتين قيل معناه يُخْتَبَرُونَ بالدعاء إِلى الجهاد وقيل يُفْتَنُونَ بإِنزال العذاب والمكروه والفَتْنُ الإِحرَاق بالنار الشيءَ في الناريَفْتِنُه أَحرقه
والفَتِينُ من الأَرض الحَرَّةُ التي قد أَلْبَسَتْها كُلَّها حجارةٌ سُودٌ كأَنها مُحْرَقة والجمع فُتُنٌ وقال شمر كل ما غيرته النارُ عن حاله فهو مَفْتُون ويقال للأَمة السوداء مَفْتونة لأَنها كالحَرَّةِ في السواد كأَنها مُحْترقَة وقال أَبو قَيْسِ ابنُ الأَسْلَتِ غِراسٌ كالفَتائِنِ مُعْرَضاتٌ على آبارِها أَبداً عُطُونُ وكأَنَّ واحدة الفَتائن فَتينة وقال بعضهم الواحدة فَتِينة وجمعها فَتِين قال الكميتُ ظَعَائِنُ من بني الحُلاَّفِ تَأْوي إِلى خُرْسٍ نَواطِقَ كالفَتِينا ( * قوله « من الحلاف » كذا بالأصل بهذا الضبط وضبط في نسخة من التهذيب بفتح الحاء المهملة ) فحذف الهاء وترك النون منصوبة ورواه بعضهم كالفِتِىنَا ويقال واحدة الفِتِينَ فِتْنَةٌ مثل عِزَةٍ وعِزِينَ وحكى ابن بري يقال فِتُونَ في الرفع وفِتِين في النصب والجر وأَنشد بيت الكميت والفِتْنَةُ الإِحْراقُ وفَتَنْتُ الرغيفَ في النار إِذا أَحْرَقْته وفِتْنَةُ الصَّدْرِ الوَسْواسُ وفِتْنة المَحْيا أَن يَعَدِلَ عن الطريق وفِتْنَةُ المَمات أَنْ يُسْأَلَ في القبر وقوله عزَّ وجل إِنَّ الذين فَتَنُوا المؤْمنين والمؤْمناتِ ثم لم يتوبوا أَي أَحرقوهم بالنار المُوقَدَةِ في الأُخْدُود يُلْقُون المؤْمنين فيها ليَصُدُّوهم عن الإِيمان وفي حديث الحسن إِنَّ الذين فتنوا المؤْمنين والمؤْمِنات قال فَتَنُوهم بالنار أَي امْتَحَنُوهم وعذبوهم وقد جعل الله تعالى امْتِحانَ عبيده المؤمنين بالَّلأْواءِ ليَبْلُوَ صَبْرَهم فيُثيبهم أَو جَزَعَهم على ما ابْتلاهم به فَيَجْزِيهم جَزاؤُهم فِتْنةٌ قال الله تعالى أَلم، أَحَسِبَ الناسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يقولوا آمنَّا وهم لا يُفْتَنُونَ جاءَ في التفسير وهم لا يُبْتَلَوْنَ في أَنفسهم وأَموالهم فيُعْلَمُ بالصبر على البلاء الصادقُ الإِيمان من غيره وقيل وهم لا يُفْتَنون وهم لا يُمْتَحَنُون بما يَبِينُ به حقيقة إِيمانهم
وكذلك قوله تعالى ولقد فَتَنَّا الذين من قبلهم أَي اخْتَبَرْنا وابْتَلَيْنا وقوله تعالى مُخْبِراً عن المَلَكَيْنِ هارُوتَ ومارُوتَ إِنما نحن فِتْنَةٌ فلا تَكْفُر معناه إِنما نحن ابتلاءٌ واختبارٌ لكم وفي الحديث المؤمن خُلِقَ مُفَتَّناً أَي مُمْتَحَناً يمتَحِنُه الله بالذنب ثم يتوب ثم يعود ثم يتوب من فَتَنْتُه إِذا امْتَحنْتَه ويقال فيهما أَفْتَنْتُه أَيضاً وهو قليل قال ابن الأَثير وقد كثر استعمالها فيما أَخرجه الاخْتِبَار للمكروه ثمَّ كَثُر حتى استعمل بمعنى الإِثم والكفر والقتال والإِحراق والإِزالة والصَّرْفِ عن الشيء وفَتَّانَا القَبْرِ مُنْكَرٌ ونَكِيرٌ وفي حديث الكسوف وإِنكم تُفْتَنُونَ في القبور يريد مُساءَلة منكر ونكير من الفتنةِ الامتحان وقد كثرت استعاذته من فتنة القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات وغير ذلك وفي الحديث فَبِي تُفْتَنونَ وعنِّي تُسْأَلونَ أَي تُمْتَحَنُون بي في قبوركم ويُتَعَرَّف إِيمانُكم بنبوَّتي وفي حديث عمر رضي الله عنه أَنه سمع رجلاً يتعوَّذ من الفِتَنِ فقال أَتَسْأَلُ رَبَّك أَن لا يَرْزُقَك أَهْلاً ولا مالاً ؟ تَأَوَّلَ قوله عزَّ وجل إِنما أَموالكم وأَولادُكم فِتْنَة ولم يُرِدْ فِتَنَ القِتالِ والاختلافِ وهما فَتْنَانِ أَي ضَرْبانِ ولَوْنانِ قال نابغة بني جَعْدة هما فَتْنَانِ مَقْضِيٌّ عليه لِسَاعَتِه فآذَنَ بالوَداعِ الواحد فَتْنٌ وروى أَبو عمرو الشَّيْبانيّ قول عمر بن أَحمر الباهليّ إِمّا على نَفْسِي وإِما لها والعَيْشُ فِتْنَان فَحُلْوٌ ومُرّ قال أَبو عمرو الفِتْنُ الناحية ورواه غيره فَتْنانِ بفتح الفاء أَي حالان وفَنَّانِ قال ذلك أَبو سعيد قال ورواه بعضهم فَنَّانِ أَي ضَرْبانِ والفِتانُ بكسر الفاء غِشاء يكون للرَّحْل من أَدَمٍ قال لبيد فثَنَيْت كَفِّي والفِتانَ ونُمْرُقي ومَكانُهنَّ الكُورُ والنِّسْعانِ والجمع فُتُنٌ.



[1]   غريب القرآن للأصفهاني - (ج 1 / ص 371) ومفردات ألفاظ القرآن الكريم - (ج 2 / ص 266)
[2]   لسان العرب - (ج 13 / ص 317)



من موسوعة فقه الابتلاء جمع وإعداد علي بن نايف الشحود