‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاستشراق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاستشراق. إظهار كافة الرسائل

الأحد، ديسمبر 26، 2010

مناهج المستشرقين في دراسه الفكر الاسلامي

إن للفكر الإسلامي مفاهيم لها ذاتيتها واستقلالها، قد تتطور مصطلحاتها تبعاً لتطور الحياة، ولكن مضامينها تظل ثابتة وراسخة وإلا تلاشت القاعدة التي تؤكد أن الإسلام من المرونة بحيث تستوعب أصوله تطور الحياة مكاناً وزماناً· وإذا كان الفكر الإسلامي قد ظل عدة قرون سليماً معافى وحائلاً دون أي تسلل لفكر دخيل، فإننا لا ننكر أن بداية اقتحام الفكر الدخيل محراب الفكر الإسلامي الأصيل قد تمت منذ وقت غير يسير عندما أخذ يدب الخلاف بين المسلمين، وأصبحت تطفو مذاهب وفرق وأحزاب شتى كل واحد منها يدعو إلى ما يخيل إليه أنه عين الصواب، وقد كان ذلك بسبب عدم استقامة في التفكير أو سبب ضعف الإيمان في النفوس مما أدى إلى التحلل من الالتزام بأسس الكتاب والسنة وتوجيهاتهما، يقول تعالى }فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} النساء59 .
وفي العصر الحديث ظهرت محاولات تغريبية لإذابة الفكر الإسلامي واستهدافه استندت إلى بعض رواسب الفكر المنحرف الذي سبق أن أثقل كاهل الفكر الإسلامي الأصيل، وقد امتدت جذور هذه الرواسب إلى يومنا هذا تتحدى الإسلام عقيدة وشريعة ونظاماً، فكان هناك فكر منحرف نابع من داخلنا يتكلم باسم الإسلام ويتحدث باسم المسلمين، في حين كان هناك خطاب أجنبي يواجه الإسلام بعداوة سافرة يريد النيل من الإسلام عقيدة وفكراً وأسلوباً ومنهجاً وأكثر من يضطلعون به هم المستشرقون.
ان بحث وتحليل الخطاب الاستشراقي وموقفه من الفكر الإسلامي ليس بالأمر الهين، ذلك أن أية دراسة للمنهجية الغربية وتطبيقاتها المختلفة على الإسلام لا يمكن أن تتحقق بشكل تام، إذ ان المدى الجغرافي الشاسع الذي تكتسحه المنظومة الاستشراقية لا تكاد تغطيه دراسة واحدة أو دراسات، أضف إلى ذلك مشكلة اللغات العديدة التي يستخدمها مختلف المستشرقين، فالدارس العربي الذي يعرف الفرنسية  الإنجليزية والألمانية يتمتع بميزة كبرى لكنها نسبية فقط، إذ هناك دراسات مفيدة في الموضوع بلغات أخرى·وسأحاول فيما يلي إبراز وتحديد آليات الخطاب الاستشراقي حيال الفكر الإسلامي مع بيان اهم مستوياته ومختلف المواقف التي وقفها الفكر الاستشراقي إزاء هذا الموضوع·
آليات ومواقف الخطاب الاستشراقي حيال الفكر الإسلامي
إنه من الناحية المبدئية يجب على المثقف والباحث المسلم رفض نتائج بحوث المستشرقين في دراستهم للفكر الإسلامي، ولكن مادامت تلك البحوث أمراً واقعاً وهي تغطي مساحات واسعة في مجال البحث التاريخي ولها وزنها وثقلها في الدوائر الأكاديمية وداخل الأوساط الطلابية بجامعاتنا العربية فلابد أن نتعامل معها على أساس الدراسة والنقد والتمحيص، ثم إن مناقشة أي من هؤلاء على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم ممن تناولوا موضوعات الفكر الإسلامي على مستوى التفاصيل والجزئيات لا تغني شيئاً لأنها ستكون بمثابة نقد موقوت لا يصل إلى بحث الجذور العميقة التي ستظل تنسج آراء هدامة وسلبية·
إننا لا ننكر أن الاستشراق بشقيه التقليدي والمعاصر قد قدم للفكر الإسلامي أشياء كثيرة نافعة لا يمكن تجاهلها وهي تتمثل في كثير من محاولات تحقيق التراث والنشر والتبويب والفهرسة، فضلاً عن التوجيه إلى الأخذ بالمناهج الحديثة في البحث والدراسة·
لقد قام المستشرقون بنشر الكثير من نفائس التراث الإسلامي نشراً علمياً ليس بيسير الانتفاع به، وهذا فضل للاسشراق لا يمكن غض الطرف عنه مهما تكن بواعث المستشرقين في ذلك·
إننا لا نرفض دراسات المستشرقين في مجال الفكر الإسلامي بشكل مطلق ولكننا نرفض الفكر الذي يعادي الإسلام، فنحن نرحب بكل فكر ما دام ليس فيه عدوان على الإسلام، لكن يبدو ان دراسات القوم في هذا المجال ليست جميعها على شاكلة واحدة فهناك مناهج متعددة وخطابات متباينة سنعرض لها فيما يلي:
المنهج العدواني في دراسة الفكر الإسلامي
لعل ابرز ما يميز هذا المنهج هو ذاتيته ومجانبته الكاملة للموضوعية إلى جانب عدوانيته السافرة وهو ما حدا بنا إلى وصفه بالمنهج العدواني في دراسة الفكر الإسلامي، وهذا المنهج المتطرف قد شكلته المدرسة الاستعمارية الاستشراقية التي تزعمها كل من الاستشراق الإنجليزي والاستشراق الفرنسي، وتجدر الإشارة بهذا الصدد إلى أن الدكتور محمد البهي رحمه الله قد وضع كتابه (الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي) (2) لفضح هذه السياسة الاستعمارية وما أفرزته من مدارس استشراقية تحمل طابعاً إيديولوجياً قبل الطابع العلمي، مما دفعها إلى التسلح بالأحكام المسبقة والإسقاطات المضللة·ويمكن القول بأن أصحاب هذا المنهج العدواني من المستشرقين قد واكبوا في أبحاثهم ودراساتهم عملية الغزو العسكري للدول الغربية والإسلامية وذلك بفتح الجبهات الثقافية والفكرية للعدو المحتل وهو ما يتمثل في قيام بعض المستشرقين بإبراز الخلافات المذهبية والفكرية والتأكيد على الفجوات والثغرات بين طوائف المسلمين وشعوبهم وذلك من الوجهة الشعوبية أو الجغرافية أو التاريخية، مع شرح كثير من مبادئ الإسلام شرحاً يشوهها وينحرف بها عن اهدافها الأصلية وذلك كله بالإضافة إلى تمجيد الفكر الغربي وإظهار تفوقه على الفكر الإسلامي·
وهذا الصنف من المستشرقين يسعى إلى التأكيد على أن الإسلام ليس واحداً إنما هو متعدد حسب شعوبه وحسب اختلاف العوامل الثقافية التي تأثر بها مسلمو هذه الشعوب من فهم الإسلام، فهناك إسلام سني وإسلام شيعي وإسلام أوروبي· ثم يذهبون أيضاً إلى أن الإسلام هو متعدد حسب طوائف المسلمين، فهناك إسلام المتصوفة وإسلام الفقهاء والإسلام الحركي والإسلام الشعبي والإسلام السياسي والإسلام الراديكالي إلى غير ذلك·
ولعل من المفيد التنبيه إلى أن المنهج العدواني المصاحب للمدرسة الاستعمارية في الاستشراق قد وضع نفسه ضمن إطار حضاري شمولي هو إطار المركزية الأوروبية التي تقوم على مبدأ أهلية وأحقية الإنسان الأوروبي في التمدن والتقدم ونفي هذه القابلية عن غيره، وهو يقوم على الزعم بخمول العقل العربي وتحجر الفكر الإسلامي وتعلقه بالتقاليد الموروثة منذ القدم وعجز عقل الإنسان القاطن في جو الصحاري الحار على الابتكار والإبداع·
وهكذا يمكن القول بأن الغرب قد حاول في المرحلة الاستعمارية أن يكتشف الفكر الإسلامي من جديد لا من أجل تعديل ثقافي بل من أجل تعديل سياسي لوضع خططه السياسية مطابقة لما تقتضيه الأوضاع في البلاد الإسلامية من ناحية، ولتسيير هذه الأوضاع طبق ما تقتضيه السياسيات الغربية لتسيطر على الشعوب الخاضعة فيها لسلطانها، وقد حاول المستشرقون المتعاونون مع الإستعمار إضعاف المقاومة الروحية و المعنوية في نفوس المسلمين، وذلك بالتقليل من أهمية قيم الفكر الإسلامي الأصيل ومحاولة تلفيق فكر دخيل أريد له أن يحل محل الفكر الإسلامي الصحيح·
ومن أجل تحقيق هذه الأغراض سعى أصحاب المنهج العدواني في دراسة الفكر الإسلامي إلى تقويض أسس ومبادئ الفكر الإسلامي بوسائل شتى تنطلي خطورتها على غير القلة من المتخصصين· ومن بين تلك الوسائل ما يلي:
منهج الأخذ بالنزعة التأثيرية
ويعني نزعة التأثر والتأثير وهي نزعة دراسية يأخذ بها كثير من المستشرقين الذين اعتادوا رد كل عناصر منظومة الإسلام بعد تجزئتها إلى اليهودية والنصرانية أو إليهما معاً· لقد ظهر في عام 1837 كتاب أبراهام غايغر حاملاً العنوان المثير "ماذا أخذ القرآن عن اليهودية؟"  (2) فكان ذلك إيذاناً ببداية حقبة جديدة في نطاق هذه النزعة اتخذت مسوح "العلمية الموضوعية" وأقبلت على تجاذب الفكر الإسلامي وتقطيع أوصاله، فالمستشرقون اليهود أمثال غايغر وجولدزيهر وبرنارد لويس مالوا إلى إبراز دعوى تأثر الإسلام باليهودية· والمستشرقون النصارى مالوا إلى إظهار العناصر المسيحية في الإسلام، لكن أحداً منهم لم يلتفت إلى كيفية صيرورة الإسلام ديناً مستقلاً ذا منظومة شاملة ومتناسقة العناصر برغم تكونه المزعوم من شذرات متناقضة، وهذه النزعة التأثيرية تشكل خطورة كبيرة على وحدة الفكر الإسلامي وأصالته لأنها تقضي على الأفكار الإسلامية قضاء مبرماً، والأحكام التعسفية المرتبطة بهذا المنهج تكون حاضرة في كتابات المستشرقين كلما وجد تشابه بين الأفكار الإسلامية وغيرها من الأفكار الأجنبية مهما كان التشابه كاذباً ملفقاً وغير حقيقي· إن الخطاب الاستشراقي في دراسته للتصوف الإسلامي مثلاً يرجعه إلى أصول خارجية كالعنصر الفارسي أو الهندي لا لشيء إلا لوجود عناصر متشابهة بين التصوف الإسلامي والتصوف الفارسي مثلاً·
وهذا الخطاب لا يؤمن بأن التصوف الإسلامي الخالص مرده إلى عناصر القوة الروحية في الإسلام وإلى قضايا ترتبط بالزهد والعبادة· إن تأثر المستشرقين بمنهج الأثر والتأثر (3) راجع إلى كون هذا المنهج قد طبق بصورة صارمة في بيئتهم، ذلك أن النهضة الأدبية الأوروبية قد تأسست على الحضارة اليونانية، وما أنشئ مذهب فكري وديني جديد إلا ووجد له نظير في الحضارة اليونانية القديمة، ومن خلال هذا الحكم تم تطبيق هذا المنهج على الفكر الإسلامي دون أدنى اكتراث بخصوصيات الفكر الإسلامي ذي الأصول والأسس الواضحة المؤسسة على معايير دينية وبيئية أصيلة مستمدة من القرآن والسنة النبوية·

القول بالإنشطارية
الانشطارية تعني الفصل بين القيم المتكاملة في الفكر الإسلامي والقول بعجزها عن التفاعل والترابط وعدم قدرتها على الاستيعاب والتكامل· والمستشرقون الغربيون يعون جيداً مدى تكامل المعرفة الإسلامية والفكر الإسلامي المبني أساساً على التكامل بين قيمه ومثله والترابط بين مختلف جوانبه، ولكنهم عندما يحاولون دراسة بعض مباحث الفكر الإسلامي فإنهم يسعون جاهدين إلى تجزئتها وعزل بعضها عن بعض بقصد التأكيد على استحالة التقاء عناصر القوة والتكامل في كل واحد· وقد نحا الخطاب الاستشراقي الحديث هذا المنحى بناء على سيادة روح الانشطارية في الفكر الغربي أصلاً ومحاولة تطبيقها على الفكر الإسلامي وتجدر الإشارة إلى أن الإنشطارية في الفكر الغربي قد انطلقت من منطلق الفصل بين الدين والدنيا، فترتب عنها تقبل هذا الفكر لكل الإيديولوجيات والمناهج الاجتماعية والمذاهب الاقتصادية مهما تنوعت اتجاهاتها ما دامت لا تخضع للدين، أما في الإسلام فإن المسلم يوفق بين الدين والدولة والعبادة ومنهج الحياة، كل ذلك لا ينفك ولا ينفصل·
ولعل أبرز ما وصلت إليه الانشطارية في الفكر الغربي وحاول المستشرقون تطبيقه على الفكر الإسلامي هو الدعوة إلى الانفصال بين الحاضر والماضي، فإنكار الماضي كلية مع الدعوة إلى الانفصال عنه تعتبر من خصائص الفكر الغربي، وهو مايحاول بعض المستشرقين نقله إلى الفكر الإسلامي، ولذلك نجد ثلة منهم يرمون التراث الإسلامي بكل مهانة وانتقاص، بل انهم ينكرون على زملائهم من التقليديين إضاعة الوقت في تكريس الاتجاهات المطلوبة )مواقف مكسيم رودنسون وبرنارد لويس)· ولذلك فإن معظم المستشرقين لا يسلكون مسلك المسلمين في التدليل على قيمة الإسلام وتراثه الخالد في صلته بالحياة·
انهم ينكرون ان يكون للفكر الإسلامي المعاصر أصول ومعالم لا تتغير ترجع إلى الأصول الأولى للإسلام، إذ الفكر الإسلامي الصحيح "هو الذي يحافظ على قيمة الإيمان بالإسلام، وقيمة المبادئ التي جاءت بها رسالة الإسلام للإنسان في حياته الفردية أو مجتمعه مع غيره" (5)·إن الفكر الإسلامي هو التعبير عن منظومة الإسلام بكل شمولها وعموميتها في العقيدة والشريعة والسياسة والاجتماع والتربية والأخلاق، إذ لا يمكن بحال - كما يريد المستشرقون - الفصل بين الإسلام والفكر الإسلامي، فمنابع الفكر الإسلامي تتسع لمصادر التشريع ولكنها لا تقف عند حدودها بل تتجاوزها إلى منبع أصيل هو الرأي الذي هو ثمرة الاجتهاد، وإذا كانت مصادر التشريع هاته هي المكونات لبناء الإسلام ديناً ودولة، عقيدة وشريعة، نظاماً وسلوكاً فإن الفكر الإسلامي هو حارس هذا البناء لا يمكن تمييزه عنه أو القول بفصله عن الماضي أو أصول الإسلام·
محاولة تغريب الفكر الإسلامي
هذه المحاولة تكاد تكون مصاحبة لكل مراحل الاستشراق ومتداخلة مع كل التيارات· لقد كشف هاملتون جب في كتابه <وجهة الإسلام" إن هدف البحث هو معرفة: <إلى أي حد وصلت إليه حركة تغريب الفكر الإسلامي وما هي العوامل التي تحول دون تحقيق هذا التغريب" (6)، ويمكن لقارئ الكتاب أن يكتشف أبرز مناهج التغريب التي يسقطها المستشرقون على الفكر الإسلامي الحديث·
ومصطلح التغريب هذا يقصد به خلق عقلية جديدة تعتمد على تصورات الفكر الغربي ومقاييسه ثم تحاكم الفكر الإسلامي من خلالها بهدف تسييد الحضارة الغربية على غيرها ولا سيما الحضارة الإسلامية وإظهار تفوق الفكر الغربي على الفكر الإسلامي· وقد حاول علماؤنا الأسلاف عبر القرون الحيلولة دون هيمنة الفكر الوافد أو العقلية الخارجية المتمثلة في ثقافات اليونان والهنود والمجوس واليهود، وتمثل مختلف صور المقاومة هاته أبرز ملامح تاريخ الفكر الإسلامي، وقد ظل أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث يتنبهون إلى خطورة المناهج التغريبية في مجال الفكر الإسلامي ويواجهون أخطر المحاولات الدائمة في سبيل تحريف أصوله وأسسه ومرتكزاته الأصيلة، إن سياسة تغريب الفكر الإسلامي من طرف الخطاب الاستشراقي يتمثل أساساً في حمل المسلمين على قراءة تاريخهم وفكرهم من خلال مناهج الغرب ومقاييسه ومحاولة خلق "دائرة فكر"تهدف إلى تحطيم المسلمات والبدايات التي يؤمن بها المسلمون، وانتقاص الفكر وإشاعة الشبهات والطعون والتقليل من أهمية التراث·.
بقلم الدكتور حسن عزوزى

الهوامش
1)    يعتبر الكتاب الذي طبع طبعات متعددة من أبرز الكتب التي تصدت لمحاولات تشويه معالم الفكر الإسلامي وتجفيف منابعه، ويقع الكتاب في أكثر من ستمئة صفحة·
2)    Abraham Geiger: Was hat Muhammad aus dem Judentum aufgenom men
3)    لقد كان المستشرق الإسباني بالاثيوس Palacios أشهر من هيمنت على كتاباته فكرة التأثير والتأثر بين الإسلام والمسيحية وخاصة في كتابه "الإسلام في ثوب نصراني" Islam   christianise  باريس· (1982)
4)    محمد البهي: الفكر الإسلامي في تطوره ، مكتبة وهبة، القاهرة ط2/ 1981 ص 12
5)    5) Hamilton Gibb: Les tendances modernes de lصIslam Paris 1949 .



الاثنين، ديسمبر 20، 2010

الاستشراق والإسلام

مقدمة:
إن للاستشراق أثر كبير في العالم الغربي وفي العالم الإسلامي على السواء وان اختلفت ردود الأفعال عند كلا الجانبين ،لان الاستشراق كان ولا يزال جزءا من الصراع الفكري والحضاري بين الشرق والغرب ،بل يمكننا القول أن الاستشراق يمثل الخلفية الفكرية لهذا الصراع الذي له مظاهر شتى ،لذلك لا يجب التقليل منه حيث كان له الأثر الأكبر في صياغة التصورات الأوروبية عن الإسلام لقرون عديدة،وما يزال الأوروبيون يعتمدون إلى اليوم في دراساتهم وأبحاثهم على من سبقهم من المستشرقين.

مفهوم الاستشراق:
الاستشراق معناه علم الشرق، أو علم العالم الشرقي وكلمة المستشرق تطلق على كل عالم غربي يشتغل بدراسة الشرق لكننا هنا لن نتوسع في هذا المفهوم العام الشامل ،بل سنضيق الدائرة لتناول الدراسات الغربية المتعلقة بالشرق الإسلامي حول عقيدته لغاته آدابه فنونه تاريخه حضارته.

البدايات الأولى للاستشراق
يمكننا القول أن الاستشراق يبدأ بشكل رسمي بعد صدور قرار مجمع فيينا الكنسي سنة 1312م بإنشاء عدد كبير من كراسي اللغة العربية بعدد من الجامعات الأوربية .
ولاشك أن الانتصار السريع للإسلام هو الذي لفت رجالات الدين المسيحيين إلى الاهتمام بهذا الدين ،ومن هنا بدأت دراساتهم للإسلام ,وكان من أوائل من اهتم بدراسة الإسلام رجال الدين المسيحيين وكان ذلك خلال العصور الوسطى وكان الغرض من هذه الدراسات آنذاك هو:
       أولا : ضرورة التعلم من العرب وترجمة علومهم إلى اللغات اللاتينية.
       ثانيا : التصارع معهم بسبب خطر عقيدتهم على العالم المسيحي.
لكن كلمة مستشرق بهذا المعنى لم تظهر إلا خلال القرن الثامن عشر حيث تم إدراجها في قاموس اللغة الأكاديمية الفرنسية سنة 1738م

طبيعة الاستشراق في القرون الوسطى
إن أدب أوروبا في القرون الوسطى حول الإسلام وضع في غالبيته من طرف رجال الدين المسيحيين، الذين استندوا غالى المؤلفات الجدلية اللاهوتية الدفاعية للمسيحيين الشرقيين، وترجمات مفكريهم وشهادات بعض المسلمين، وكانت المعلومة تنتزع من سياقها الأصلي وتقدم بطريقة مشوهة آو بطريقة غير واعية في أحيان أخرى، وكان الدافع وراء هذه الدراسات هو الصراع الذي دار بين العالمين الإسلامي والمسيحي في الأندلس وصقلية ،كما دفعت الحروب الصليبية بصفة عامة إلى اشتغال الأوروبيين بالأبحاث حول علوم العرب وثقافتهم، وقد نشط اللاهوتيون ورجال الدين في ذلك الوقت ضد الإسلام وراحوا ينشرون الأكاذيب حول الرسول صلى الله عليه وسلم وحول القران الكريم، وزعموا أن الإسلام قوة شريرة.
وخلال هذه الفترة أيضا كانت هناك بالمقابل أيضا جهود موضوعية اهتمت أكثر بعلوم العرب ومعارفهم، حيث نشطت حركة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية وأشهر المترجمين الكاهن جيربرت الذي قصد الأندلس للدراسة وجيرالد الكريموني الذي أقام في طليطلة ونقل إلى اللاتينية فلسفة الكندي والمجسطي لبطليموس .وميخائيل سكوتس الاسكتلندي الذي درس في باريس وأقام في طليطلة ورحل إلى باليرمو عاصمة صقلية حيث لقي استقبالا من ملكها النورماندي فريدريك الثاني وقد اشتهر بتبحره في الفلسفة والفلك والسحر والتنجيم ،ترجم العديد من كتب ابن سينا وابن رشد .
إذن يمكن القول انه خلال فترة القرون الوسطى كان هناك اتجاهين رئيسيين:

الاتجاه الأول: اتجاه ديني لاهوتي متعصب وحاقد ينظر إلى الإسلام بكراهية وبغض.
الاتجاه الثاني: كان بالمقارنة مع الاتجاه الأول أقرب إلى الموضوعية، ونظر إلى الإسلام بوصفه مهدا للعلوم والطب والفلسفة والفلك والرياضيات.

الاستشراق في القرن 17 م و 18 م.
لقد جعل الأوربيون الاهتمام باللغة العربية مسألة أساسية للتعرف على ثقافة الشعوب الإسلامية، لذلك وضعوا في جامعاتهم كراسي لتعليم اللغة العربية، وكان الهدف هو نشر المسيحية.
وعلى الرغم من الأهداف التبشيرية الواضحة والمعادية للإسلام خلال العصور الوسطى فان القرن السابع عشر شهد اتجاها مختلفا استمر في القرن الثامن عشر وقد نظر هذا الاتجاه إلى الإسلام نظرة أكثر موضوعية مما سبق، وظهرت بعض المؤلفات الموضوعية المعتدلة عن الإسلام والحضارة الإسلامية، والتي حلت محل الآراء المتطرفة للاهوتيين الذين وصفوا القران باللغو الباطل والرسول الكريم بأشنع الصفات، ومن بين الأمثلة ريتشارد سيمون في كتابه التاريخ النقدي لعقائد وعادات أمم الشرق، ثم محاولات هادريان ريلاند أستاذ اللغات الشرقية في جامعة اوتريخت بهولندا، فقد أصدر كتابه الديانة المحمدية، قام فيه بتصحيح كثير من الآراء الغربية السائدة حول الإسلام، حتى أن الكنيسة الكاثوليكية أدرجت كتابه ضمن الكتب المحرم تداولها.
لكن هذه الأمثلة التي سردناها لم تكن هي السائدة في أوربا، ولم تستطع القضاء على الصورة المشوهة للإسلام في أذهان الغربيين والتي رسمتها القرون الوسطى وكرستها بعض كتابات المستشرقين خاصة الذين عادوا الدين بصفة خاصة بما في ذلك الدين المسيحي.

الاستشراق في القرن التاسع عشر
خلال هذا القرن ظهرت نظرة متعالية ومتغطرسة اعتمدت على خرافة التفوق العرقي للشعوب الآرية الأوربية على باقي الشعوب والأجناس الأخرى، وخلال هذا القرن أيضا ازدهرت بشكل كبير الدراسات الاستشراقية في كل الدول الأوربية خاصة انجلترا وهولندا، لذلك يمكن القول أن هذا القرن هو قرن الاستشراق بحق، حيث تخلص من اللاهوت عليه وبرزت النزعة العلمية، وفي نهاية هذا القرن أصبحت الدراسات الإسلامية تخصصا قائما بذاته داخل الحركة الاستشراقية العامة .
ونشطت الحركات الاستشراقية والمجلات المهتمة بإصدار المجلات والمطبوعات حول الاستشراق والتي تضم مئات من العلماء، وتنشر بحوث هذه المؤتمرات في مجلدات وكتب ونشرات .

الاستعمار والاستشراق أي علاقة؟
لقد كان الاستعمار أواخر القرن التاسع عشر للعالم المسيحي أثره في النظرة الأوربية إلى الشرق فقد استفاد الاستعمار من الرواسب والدراسات الاستشراقية الكثير، كما جند الاستعمار طائفة من المستشرقين لخدمة أغراضه وتحقيق أهدافه وتمكين سلطانه في بلاد المسلمين، وهكذا نشأت علاقة وثيقة ورسمية بين الاستعمار و الاستشراق، حيث كرس العديد من المستشرقين أبحاثهم ودراساتهم لخدمة أطماع دولهم الاستعمارية أمثال الألماني كارل بيكر والهولندي سنوك هورجرونيه.
وفي فرنسا كان هناك العديد من المستشرقين يعملون مستشرين لوزارة المستعمرات الفرنسية، وعلى سبيل المثال المستشرق المشهور دي ساسي الذي ترجم البيان الموجه للجزائريين، وكان يستشار في كل الأمور المتعلقة بالشرق.
وفي بريطانيا كان اللورد كيرزن من أشد المتحمسين لفكرة إنشاء مدرسة للدراسات الشرقية باعتبارها جزءا من تأثيث الإمبراطورية، وقد كانت الحكومة البريطانية ترسم سياستها الاستعمارية بعد التنسيق والتشاور مع فريق من المستشرقين الذين يقدمون لها الدراسات المطلوبة، كما اتجه الاستشراق المتعاون مع الاستعمار بعد الاستيلاء العسكري والسياسي على بلاد المسلمين إلى إضعاف المقاومة الروحية والمعنوية في نفوس المسلمين وتشكيكهم في معتقداتهم و دينهم وزرع أفكار تقول أن سبب تخلف المسلمين عائد إلى تمسكهم بالإسلام.
ومازالت لحد الآن تهتم الحكومات الأوربية بدعم الحركة الاستشراقية، ولا تبخل عليها بالمال اللازم لاستمرار نشاطها، وهذا يؤكد الارتباط القائم بين مصالح الغرب في العالم الإسلامي والحاجة إلى الاستشراف.
لذلك لا تخلو أي جامعة أوربية أو أمريكية اليوم من معهد خاص للدراسات الإسلامية و العربية، بل يوجد في بعض الجامعات أكثر من معهد للاستشراق ويرأس كل معهد أستاد يساعده بعض المحاضرين الذين يواصلون أعمالهم الأكاديمية في مجال الاستشراق، ويتخرج من هذه المعاهد الدارسون الذين يلتحقون بالسلك الدبلوماسي أو بالترجمة، ومنها أيضا يتخرج بعض العرب المسلمين الذين يعودون للتدريس في بلادهم الأصلية بعد أن تكون آراءهم قد حرفت ومبادئهم قد تأثرت بكثير من الأفكار الاستشراقية، فيبثون سمومهم وسط الجامعات ويرددون في كتابتهم ومحاضراتهم كثيرا من أفكار أساتذتهم في الغرب.

أهداف الاستشراق
لا يستطيع أي باحث في تاريخ الاستشراق التغاضي عن الهدف الديني الذي كان وراء نشأة الاستشراق في أوربا ,وكان الهدف الديني للأوربيين من الاستشراق هو تحقيق الأغراض الثلاثة التالية:

1. محاربة الإسلام والبحث عن نقاط ضعفه، للطعن فيه، والزعم أنه ملفق ومأخوذ عن المسيحية و اليهودية .
2. حماية النصارى من خطره وذلك بتشويهه وحجب حقائقه عنهم.
3. التبشير وتنصير المسلمين.

وتتجلى هذه الأهداف عند أغلب المستشرقين، كما أن عددا كبيرا من رجال الدين المسيحيين المتدينين كانوا من كبار المستشرقين مثل القس الأب لامانس والمستشرق البريطاني منتغمري واط وغيرهم كثير، هذا دون أن ننسى الأهداف الاستعمارية .

طبقات المستشرقين
لا يمكن وضع المستشرقين في طبقة واحدة، فقد تعددت فئاتهم وتباينت آراءهم إذ نجد:

1. فئة من المتعصبين الذين افتروا على الإسلام، واخترعوا الأقاصيص والخرافات والصقوها به، وقد ظهر هذا الفريق خصوصا في بداية نشأة الاستشراق.
2. فريق من المستشرقين جندوا أنفسهم وأقلامهم لخدمة المصالح الاقتصادية الاستعمارية في الدول التي خضعت للاستعمار.
3. فريق من الحاقدين على الإسلام والذين تقطر أقلامهم بالحقد والعداوة أمثال بريدو وسيل.
4. فريق التزم الموضوعية والنزاهة العلمية وأنصف الإسلام والمسلمين وهؤلاء قلة ويعدون على رؤؤس الأصابع بالمقارنة مع غيرهم، وقد قادت هذه الأبحاث بعضهم إلى اعتناق الدين المسيحي.
5. فريق اهتم بالدراسات الشرقية بهدف علمي بحث، فاشتغل بالترجمة أو تأليف المعاجم أو تحقيق المخطوطات.

نماذج من آراء المستشرقين حول الإسلام
لقد شكل الاستشراق الأداة التي قدمت المدد للتنصير والاستعمار وغذت عملية الصراع الفكري في البلاد المستعمرة ,فالاستشراق كان وسيلة لمد المستعمرين بالمواد التي يسوقونها في العالم الإسلامي قصد تحطيم عقيدتهم وهدم أخلاقهم، ولقد كثرت مراكز البحوث والدراسات الشرقية في الجامعات الأوربية، ووضعت تحت تصرفها إمكانات مادية ومالية ،حتى يتمكن أصحاب القرار السياسي من الاطلاع على أحوال العالم الإسلامي لوضع الخطط والاستراتيجيات المناسبة.
لقد اصبح كل شيء في الغرب خاضع للبحث و التحليل، أما عندنا فنحن عاجزون وغير قادرون على المواجهة، فأكثر الباحثين اليوم يتغذون على فتات مائدة المستشرقين وأبحاثهم حتى أن اغلب المخطوطات لم تر النور إلا بفضل جهودهم فأين نحن منهم ؟
لقد انشغل علماؤنا بتحقيق حديث أو تضعيفه أو تقويته، بغرض الانتصار لمذهبه وقليل من يرقى إلى المستوى المطلوب، فإذا استثنيا جهود علمائنا الأقدمين في تدوين السنة ووضع قواعد الجرح والتعديل وتأصيل أركان الفقه وحفظ علوم السنة، نرى اليوم التقليد الأعمى والتعصب للمذهب والإفتاء بغير علم.
لقد نجحت العقلية الأوربية في السيطرة على مصادر التراث العربي الإسلامي وعن طريق المستشرقين ظهرت إلى الوجود كثير من الكتب والمنشورات والمخطوطات، ولقد تمكن الأوربيون من خلال هذه الكتب من فرض طرقهم في التحليل على مثقفينا الذين ساروا على نهجهم أمثال محمد اركون وطه حسين وفرج فوده ونصر حامد أبو زيد.. حتى أصبح بعضهم يدافع عن أفكار المستشرقين ويطرح أفكارا مأخوذة في الغالب عنهم.
ونحن هنا نؤكد أن الإسلام بوصفه دينا خاصا وغير محرف لا يخشى عليه من التيارات المناوئة، كما أن الموضوعية كانت دائما لصالحه، لكن الخطر على الإسلام كان من التشوهات التي لحقته نتيجة تعصب أغلب المستشرقين وتماديهم في ذلك مم أثر سلبا على التصورات الأوربية حول الإسلام، ومن أهم هذه التشوهات والآراء نجد :

أولا: التشوهات التي لحقت القران الكريم
اتجهت جهود المناهضين للإسلام قديما وحديثا إلى محاولة زعزعة الاعتقاد في القران الكريم وفي صحته ومصدره ،وقد حدا المستشرقون المتحاملون على الإسلام والقران حذو المشركين فبذلوا جهودا هائلة ليثبتوا أن القران ليس وحي من عند الله وإنما هو تأليف محمد صلى الله عليه وسلم ،قال جورج سيسل "أما أن محمد كان مؤلف القران والمخترع الرئيسي له فأمر لايقبل الجدل" ويرى ريتشارد بل مؤلف كتاب "مقدمة القران" أن النبي عليه الصلاة والسلام اعتمد في كتابه القران على الكتاب المقدس وخاصة العهد القديم وكانت فرصته بالمدينة حيث اتصل بالجاليات اليهودية ومنهم تعرف على كتب موسى (مع العلم أن الرسول الكريم كان أميا لا يعرف القراءة والكتابة) ويزعم بعض المستشرقين أيضا إن محمدا تعرف على النصرانية من بحيرى الراهب وهذه القصة خرافة مؤداها أن محمدا كان في البداية تلميذا للراهب النسطوري سرجيوس بحيرى زاعمين انه تلقى منه المعلومات الأساسية عن التوراة والانجيال ،وبعد ذلك أعلن نفسه نبيا وكون عقيدة خاصة به ،أما مانعرفه نحن من سيرة ابن هشام أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ الثانية عشر من عمره خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام في قافلة له، فلما نزل الركب، لاحظ راهب كان يقطن تلك الجهة احد ذلك الركب تظلله غمامة، وقد وضع هذا الراهب أكلا لهذا الركب ودعاهم إليه، فاجتمعوا إلا محمدا إذ تركوه لحراسة القافلة، ولما نظر بحيرى لم يجد صفة الشخص الذي وصفته كتبه فسألهم هل تخلف أحد منهم فلما أخبروه الخبر، أصر أن يحضر هذا الغلام إلى طعامه ولما جاء الغلام ودخل أخذ الراهب يراقبه، ونصح عمه أبا طالب أن يحذر عليه من اليهود وغدرهم ،- هذه القصة كما وردت عند ابن هشام ويذكر المسعودي أن هذا الراهب اسمه جرجيس ونلاحظ من خلال هذه الرواية أن محمدا كان مايزال غلاما لم يبلغ الحلم بعد، كما أنه لم يمكث فترة طويلة في الشام بالإضافة إلى أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب .
يتضح أن الروايات المسيحية أرادت أن تكون عن الإسلام صورة مشوهة، تجعله بدعة مسيحية، وأن محمد رجل مرتد ونبي مزيف ودجال كذاب، اخترع كتابا هو القران، وهو مزيج من ما كتب في العهدين القديم والجديد، وهذه كلها مزاعم لا أساس لها من الصحة، فلماذا لم يؤلف بحيرى لنفسه القران؟ ولماذا يعطي هذا المجد لغيره ّ!!
ولماذا لم تتهم قريش النبي بأنه أخذ ذلك عن اليهود أو النصارى!!.
كما أن هناك العديد من القصص المذكورة في القران الكريم غير موجودة في الكتب السماوية السابقة مثل قصة زكريا وولادة مريم وكفالته لها، فمن أين أخذ هذا كله؟؟؟؟؟

آراء المستشرقين حول الحديث والسنة النبوية
السنة هي الأصل الثاني للإسلام، والسنة متمثلة في أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريرا ته، وقد اهتم المسلمون كثيرا بها باعتبارها المصدر الثاني للشريعة.
وقد اتجه المستشرقون إلى التشكيك فيها، وأول مستشرق حاول القيام بذلك هو اليهودي "جولد تسيهر" الذي كان من العارفين بعلم الحديث وقد ادعى أن الأحزاب والفرق الكلامية الإسلامية أجرت على الرسول صلى الله عليه وسلم الأقوال لتساند بذلك أفكارها وشعاراتها وتعطي الشرعية لمذهبها، وهكذا عند هذا المستشرق تم اختراع كم هائل من الأحاديث في العصر الأموي، وقد استمر هذا الوضع قائما بعد ذلك. ولا شك أن هذا الكلام يراد به الباطل، فصحيح أن هناك أحاديث لا صحة لها نسبت إلى الرسول الكريم، لكن علماء الإسلام الذين اهتموا بالحديث النبوي الشريف لم يفرطوا في التدقيق فيها والكشف عنها وهذه الأحاديث تعرف بالأحاديث المكذوبة والموضوعة، ولعلماء السنة والحديث النبوي الشريف باع طويل في نقد الرواة وبيان أحوالهم وصفاتهم، ومنهج الجرح والتعديل صارم جدا في تقويم الرواة، فلقد بذل العلماء المحدثون جهودا كبيرة في توثيق الأحاديث لم تبذل من أتباع النصرانية أواليهودية عشر مثقال معشاره في سبيل توثيق العهدين القديم والجديد.

آراء المستشرقين حول الشريعة الإسلامية والفلسفة الإسلامية
ادعى كثير من المستشرقين أن الشريعة الإسلامية ماخوذة من القانون الروماني مع التعديلات التي أدخلت عليها بما يتوافق مع طبيعة العرب وثقافتهم، وهذه هي الأكاذيب الملفقة، فلم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم عالم قانون بل هو رجل أمي كما وصفه القران الكريم، وكما عرفته العرب ،ولم يطلع على القانون الروماني ،أما القول بالتشابه، فان هذا لايعني بالضرورة التأثر، كما أن التشابه ظاهري فقط، فالاختلافات كثيرة بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني.
كما زعم المستشرقون أيضا أن الفلسفة المسماة إسلامية ماهي إلا فلسفة يونانية اصطبغت بصبغة إسلامية، وأن المسلمين نقلوا التراث الإسلامي فقط، وقد زعم رينان وجوتييه أن دين الإسلام لا يشجع على العلم والفلسفة والبحث بل هو عائق، وهذا كله من المزاعم الكاذبة، فالمسلمون أضافوا للفلسفة الكثير ونقدوا الفلسفة اليونانية الوثنية، وردوا على عقائد الغنوصيين والفرس والفلاسفة الدهريين، وكان لهم باع كبير في العلوم التطبيقية كالرياضيات والفلك والطب والهندسة، حتى أن الأوروبيين في العصور الوسطى تأثروا كثيرا بالمسلمين في الأندلس وصقلية وخلال الحروب الصليبية، وترجموا العديد من الكتب العربية، فقد ترجمت كتب ابن رشد وابن سينا وكتب الغزالي وكتب البيروني والرازي، وعرف الاروبيون الأرقام عن طريق العرب ونقلوا الصفر عن الخوارزمي ،كما تم نقل الإسطرلاب و البوصلة، كما أدخلت مجموعة من المزروعات العربية إلى أوربا، فكل ما قاله الأوروبيون المستشرقون عن محاربة الإسلام للعلم والفلسفة هراء وكذب فالقران الكريم هو الكتاب السماوي الوحيد الذي يدعو إلى التفكر والى العلم والتعلم، وقد نوه القران الكريم بالعقل، وحارب الشعوذة والخرافة والأوهام والتنجيم.
إن القران الكريم وفر للإسلام المناخ الملائم للتفكير والتامل والبحث، وما يدل على ذلك هو ما وصله المسلمون من تقدم خلال العصور الوسطى.
أن ما يقوله المستشرقون ينطبق في الحقيقة على الكنيسة الكاثوليكية التي حاربت العلم والعلماء وادعت أن رجال الدين هم وحدهم الذين يمتلكون الحقيقة وما يقولونه غير قابل للنقاش ،حيث تمت محاكمة جاليليو بدعوى انه خالف تعاليم الإنجيل حيث ادعى أن الأرض كروية الشكل !!
ترى لو كان جاليليو قال مقولته هذه آنذاك في أرض إسلامية – في الأندلس مثلا – أو خلال مرحلة حكم الدولة العباسية أو غيرها – هل كان سيلقى المحاكم والعقوبات .

إنه من خلال الآراء التي اقتصرنا عليها لبعض المستشرقين، يتضح الحقد والتحامل الذي لحق الإسلام على أيديهم دون باقي الأديان الأخرى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم : خالد فؤاد طحطح