‏إظهار الرسائل ذات التسميات تابعون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تابعون. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، يناير 11، 2011

مفهوم الحرية عند الفقهاء والمحدثين في القرن الثاني الهجرى... الدكتور مصطفى السيد


ما هي الحرية ؟ هل هي أن تفعل ما تريد بلا مانع أو تقول ما تشاء بلا رادع ؟
تختلف النظرة إلى الحرية وإلى الأحرار من مجتمع إلى آخر، ومن مدرسة فكرية إلى أخرى، وكثيراً ما تجدّ تطورات اجتماعية أو اقتصادية أو غير ذلك لتمد التعريف بأضواء كاشفة، أو بقيود جديدة.
وما من شك في أن للحرية مقوماتها القانونية ومكوناتها الفلسفية والتي بدونها لا تعد شيئاً لدى المذاهب الفكرية المعاصرة.
وغني عن القول أن معرفة الحرية ـ ثقافياً أو نظرياً ـ غير ممارستها وإن كانت الأولى أصلاً في تحقق الثانية. وإذا ما تأصل مفهوم الحرية في مجتمع ما فسيكون تأصله مطابقاً ومساوياً لمعنى الوجود والحياة، وبدونه تبقى الحياة الإيجابية معطلة، ووجود مثل هذا المجتمع يكون متساوياً مع وجود سقط المتاع من الأشياء.
والمجتمع الذي يؤثر الحرية سيحرسها حراسة المحبة، بينما العبيد يحرسونها حراسة الخوف، والمجتمع الحر هو الذي يختار ويشارك فيما يمس وجوده فرداً أو جماعة .
وفي موضوع الحرية يحلو للكثيرين أن يجعلوا من النموذج الغربي ـ أشخاصاً وأفكاراً ـ أساساً للانطلاق في أي بحث عن الحرية، ويرى هذا الفريق ـ المأسور أو المبهور بحضارة الغرب ـ أن كل كلام في الحرية يعارض كلام الغرب وكل تصرف لا يضارع تصرفه لا يؤذن له بالدخول إلى حلبة ـ الفكر السامي ـ.
وهذه الشنشنة نجد أشباهاً لها ونظائر في عالم الأدب ـ ولا سيما الشعر – فلن يلج الشعر رتاج[1] العالمية ولن تسلّم للشاعر مفاتح الأدب الخالد إن لم يبلغ القلق ـ على المصير ـ منه الحلقوم، وتأخذ الحيرة بمجامع نفسه وأن يكون الرمز بل (اللغز) هو أخص لوازم هذا الشعر فلا يفهمه إلا نفر قليل وحبذا لو استعجم فهمه حتى على قائلة!!! ومن لم يرزق هذه النعم قذف بـ (التقليد ـ والكلاسيكية ـ والعمودية) إلى آخر ما هنالك من التسميات.
وإذا كان المفكر الملحد شرقياً كان أم غربياً يبحث عن إجابات للأسئلة التي يفرضها عليه خواؤه الروحي وغروره المادي فإن المسلم ـ بفضل ما أنعم الله عليه من رؤية سليمة ـ لا يعيش أزمة الوجود بل أزمة الوجودية.
فوجوده محدد المعالم والأهداف ـ بداية ووسطاً ونهاية ـ من أين وإلى أين، أما وجوديته فهي مجال كفاحه، وكل تحد أياً كان مصدره ومهما كان هدفه يعد محكاً لاختيار حرية المسلم.
ومن هنا فإن موضوع القدر لا يحتل المساحة الواسعة في الهموم الإسلامية المعاصرة إذا ما قارنا ذلك بما يشغله هذا الموضوع من طاقات في الفكر الإلحادي.
* * *
بانتهاء الثلث الأول من القرن الثاني الهجري (132هـ) أطلت الدولة العباسية إلى الوجود، وقد قامت على أنقاض دولة بني أمية، وإذا كان الصراع العسكري قد حسم الأمور لبني العباس فإن الصراع الثقافي لم يتحقق فيه انتصار كبير للدولة الجديدة، وعلى سبيل المثال فإن موضوع خلق القرآن ـ الذي تبنَّته الدولة بكل قوة بالحوار ثم بالضغط المادي والمعنوي ـ كشف مكانة الدولة الثقافية وأفقدها ثقة العامة وتأييدهم وبالتالي فقدت جزءاً غير يسير من شعبيتها.
وكان ذلك بفضل الله ثم بفضل المؤسسة ـ الجوامعية والمسجدية ـ التي باتت تملك من الثبات والأصولية الراسخة ما جعلها نداً لمواجهة كل مُحدث يهدد سلامة العقيدة الإسلامية كما جعلت الجوامعية والمسجدية الانتصارات العسكرية أقل صدى وأضأل تأثيراً في فرض قيم سياسية على طائفة من الناس رأت في القرآن والسنة قبلتها الفكرية وبوصلتها السياسية.
كما أخفقت الدولة ـ العباسية ـ في احتواء العلماء وإظهارهم بمظهر الذين يمنح الدولة الشرعية الفقهية لما تأتي وتدع من أمور، لدفع احتمال التناقض بين الفريقين ولمنع الاحتجاج والسخط.
لقد شعر المحدثون والفقهاء بأن بعض التحديث والتجديد في سياسية الدولة سيتم جزء منه على حساب القيم التي يمثلونها والآراء التي يحملونها ولم يكن في الأمر حلول وسط فإما ركوب الموجة ومنافسة الدولة في مسيرة التراجعات، أو الاعتزال السلبي في الزوايا والدويرات، أو الوقوف قولاً وعملاً بجانب ما يمثلون من قيم ويحملون من آراء، ولقد اختار المحدثون والفقهاء التوجه الثالث الذي يعد امتداداً طبيعياً لتربيتهم، وموقفاً سلوكياً منسجماً مع رؤيتهم الفكرية ولقد رأوا أن السلطة السياسية تشكل تحدياً للحرية في ـ أحايين كثيرة ـ يعد أعظم خطراً من الخطر الكامن في عبودية الرق، لأن عبودية الرق تعني امتلاك يمين العبد من قبل الجهة التي تملكه اقتصادياً، وقد تكون حرية عقيدته مصونة، أما السلطة السياسية فقد تعمل جاهدة على استعباد الأحرار باستعباد الأفكار، ترغيباً أو ترهيباً، ومما لا شك فيه أن الدولة للعلماء تعني إخضاعهم لا إخضاع جسومهم بل عقولهم وفكرهم وسلوكهم.
قال الإمام الذهبي ـ رحمه الله ـ : (لما استخلف المهدي بعث إلى سفيان (الثوري) فلما دخل عليه خلع خاتمه فرمى به إليه وقال: يا أبا عبد الله: هذا خاتمي، فاعمل بهذه الأمة في الكتاب والسنة. فأخذ الخاتم بيده وقال: تأذن لي في الكلام يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم.
قال: أتكلم على أني آمن؟ قال: نعم.
قال: لا تبعث إلي حتى آتيك ولا تعطني حتى أسألك.
قال: فغضب، وهم به، فقال له كاتبه: أليس قد أمنته؟ قال: بلى.
فلما خرج حفّ به أصحابه فقالوا: ما منعك وقد أمرك أن تعمل في الأمة بالكتاب والسنة؟
فاستصغر عقولهم، وخرج هارباً إلى البصرة) [2].

ولم تكن هذه أولى محاولات (الإحاطة) بسفيان بل قد حاول المنصور قبل المهدي فلم يكن أسعد حظاً منه، فقد لقي المنصور سفيان (في الطواف ـ وسفيان لا يعرفه ـ فضربه بيده على عاتقه وقال: أتعرفني؟ قال سفيان: لا، ولكنك قبضت علي قبضة جبار!!!
قال: عظني يا أبا عبد الله. قال: وما عملت فيما علمت فأعظك فيما جهلت؟
قال: فما يمنعك أن تأتينا؟
قال: إن الله قد نهى عنكم، فقال تعالى: [ ولا تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ].
ثم التفت أبو جعفر إلى أصحابه ثم قال: ألقينا الحب إلى العلماء فلقطوا إلا ما كان من سفيان فإنه أعيانا فراراً) [3].
ولم تكن إجابة سفيان الخشنة هي الإجابة الوحيدة التي سمعها أبو جعفر من العلماء.

قال الإمام أحمد: دخل ابن أبي ذئب على المنصور فلم يمهله أن قال الحق وقال: (الظلم ببابك فاش، وأبو جعفر أبو جعفر) [4].
ولقد كانت الثقافة الجوامعية والمسجدية تثمر في مشرق الدولة ومغربها هذه الثمار وتنجب أمثال هؤلاء الرجال، الذين يتميزوا بإيثار حرية الرأي وإشهار وجهة نظرهم ولو دفعوا رؤوسهم ثمناً لذلك.
فعندما قُدم بعبد الرحمن بن أنعم ـ قاضي إفريقية ـ على المنصور سأله: (ما رأيك في طريقك؟ قال: ما زلت في منكر وجور عظيم حتى قدمت عليك!! فقال أبو جعفر: ما نعمل وما نصنع؟ لا يلي لنا مثلك.
قال له: أتدري ما قال عمر بن عبد العزيز، قال: الملك سوق، وإنما يجلب إلى السوق ما ينفق فيها) [5].
ولقد كان هؤلاء العلماء من فقهاء ومحدثين يعون جيداً أن كل أعطية مادية كانت أو معنوية ليست إلا أغلالاً تقمح بها أفكارهم وتسلسل بها حريتهم، ولذا تواترت نصائحهم في التحذير من ذلك.
قال الأوزاعي فقيه بيروت ـ جبر الله كسرها وأقال عثرتها:ـ [لو قبلنا من الناس كل ما يعطوننا لهنا عليهم] [6].
ويقول المحدّث مسعر بن كدام شيخ الإمام مسلم: [من صبر على الخل والبقل لم يستعبد] [7].
ويقول محمد بن مبارك الصوري (ت215هـ ): [كذب مؤمن ـ ادعى المعرفة بالله ـ ويداه ترعى في قصاع المستكثرين، ومن وضع يده في قصعة غيره ذلت رقبته] [8].
وهكذا تسترقهم مطالب دنيوية أو مقتنيات عرضية وكان ذلك ـ بفضل الله ـ سبباً لحرية تفكيرهم وحرية تعبيرهم.
عرّج الرشيد على المدينة وهو في طريقه إلى الحج فبعث إلى الإمام مالك بكيس فيه خمسمائة دينار، فلما قضى نسكه وقدم المدينة أرسل إلى مالك رسولاً يقول له: [إن أمير المؤمنين يحب أن تنتقل معه إلى مدينة السلام ـ بغداد ـ فقال مالك للرسول، قل له: (المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون والمال عندي على حاله)[9].
ولقد ربط الإمام الشافعي بين التعلق بالدنيا والمذلة فقال: (من غلبته شدة الشهوة للدنيا لزمته العبودية لأهلها) [10].
وفي هذا المعنى يقول بشر الحافي ـ رحمه الله:ـ (من أحب الدنيا فليتهيأ للذل) [11].
ولقد تعرض الفقهاء والمحدثون لسياسة الدولة الاقتصادية ونقدوا مظاهر الإسراف والتبذير، فقد قال سفيان الثوري للمهدي بمنى: (حدثني إسماعيل بن أبي خالد قال: حج عمر فقال لخازنه: كم أنفقت؟ قال: بضعة عشر درهماً وإني أرى هاهنا أموراً لا تطيقها الجبال)[12].
* * *
هكذا فقد كان الفقهاء والمحدثون قادرين على اتخاذ موقف ما من القضايا التي عايشوها والأحداث التي عاصروها، وكان الموت أحد الاحتمالات التي واجهوها، وكان ذلك أحب إليهم من أن ينوؤا تحت عبء تبكيت نصوص الميثاق الذي أخذ عليهم بتبليغ العلم وأن يجأروا بكلمة الحق أمام كل أحد.
وربما كان لبعضهم في العافية متسع، وفي التقية ملتجأ، ولكن أحسابهم الكريمة وقدوتهم العظيمة أبت لهم إلا أن يتابعوا من قبلهم قولاً وعملاً والحمد لله على عظمة هذا الدين منبع الفضائل، ومبعث العزائم، ومنبت الرجال، ومصدر الكمال.

بقلم الدكتور مصطفى السيد

(1) الرتاج : الباب العظيم ، والباب مطلقاً والجمع رَتج ، المعجم الوسيط 1/ 326 .
(2) سير أعلام النبلاء 7/262 .
(3) العقد الفريد : 3/165 .
(4) سير أعلام النبلاء : 9/144 .
(5) كتاب رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية : 1/165 .
(6) ـ حلية الأولياء 6/143 .
(7) حلية الأولياء 7/219 .
(8) حلية الأولياء 9/298 .
(9) جامع بيان العلم 1/228 وفيه آخر الحديث ، وسير أعلام النبلاء 8/ 62ـ63 .
(10) التيار الإسلامي في شعر العصر العباسي الأول ص : 612 ، د مجاهد مصطفى بهجت .
(11) البداية والنهاية 10/298 .
(12) سير أعلام النبلاء 7/265 .




الثلاثاء، نوفمبر 30، 2010

سفيان الثوري والخليفة المهدي


قال الإمام سفيان الثوري: لما حج الخليفة المهدي قال: لا بد لي من سفيان، فوضعوا لي الرصد حول البيت، فأخذوني بالليل. فلما مثلت بين يديه قال لي: لأي شيء لا تأتينا فنستشيرك في أمرنا؟ فما أمرتنا من شيء صرنا إليه وما نهيتنا عن شيء انتهينا عنه.
فقلت له: كم أنفقت في سفرك هذا.؟
قال: لا أدرى، لي أمناء ووكلاء.
قلت: فما عذرك غدا إذا وقفت بين يدي الله تعإلى فسألك عن ذلك؟ لكنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما حج قال لغلامه كم أنفقت في سفرنا هذا؟.
قال: يا أمير المؤمنين ثمانية عشر دينارا.
فقال: ويحك أجحفنا بيت مال المسلمين.
وقد علمت ما حدثنا به منصور عن الأسود بن علقمة عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~ربّ متخوّض في مال الله ومال رسوله فيما شاءت نفسه له النار غدا}، فيقول أبو عبيد الكاتب: أمير المؤمنين يستقبل بمثل هذا.؟
فيجيبه سفيان بقوة المؤمن وعزة المسلم: اسكت، إنما أهلك فرعون هامان وهامان فرعون.

)المسند للأستاذ أحمد شاكر: الجزء الأول_ وفيات الأعيان 2\387.)


الجمعة، نوفمبر 26، 2010

مواقف مشرقة من تاريخ أمتنا الإسلامية

ورد أن أبا جعفر المنصور استدعى طاووس، أحد علماء عصره، ومعه الإمام مالك بن أنس، رحمهما الله تعالى. فلما دخلا عليه، أطرق ساعة ثم التفت إلى طاووس.
فقال له: حدثني عن أبيك يا طاووس (ابن كيسان التابعي).
فقال: حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~أشدّ الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله}.
فأمسك ساعة.
قال مالك: فضممت ثيابي مخافة أن يملأني من دمه.
ثم التفت إليه أبو جعفر، فقال: عظني يا طاووس.
قال: نعم يا أمير المؤمنين، إن الله تعإلى يقول:{ ألم ترى كيف فعل ربك بعاد ] ارم ذات العماد ] التي لم يخلق مثلها في البلاد] وثمود الذين جابوا الصخر بالواد]وفرعون ذي الأوتاد] الذين طغوا في البلاد] فأكثروا فيها الفساد] فصبّ عليهم ربك سوط عذاب] إن ربك لبالمرصاد}.
قال مالك: فضممت ثيابي مخافة أن يملأني من دمه.
فأمسك عنه ثم قال: ناولني الدواة، فأمسك ساعة حتى اسودّ ما بيننا وبينه، ثم قال: يا طاووس، ناولني هذه الدواة.
فأمسك عنه.
فقال: ما يمنعك أن تناولنيها؟.
فقال: أخشى أن تكتب بها معصية لله فأكون شريكك فيها. فلما سمع ذلك قال: قوما عني.
قال طاووس: ذلك ما كنا نبغ منذ اليوم.
قال مالك: فما زلت أعرف لطاووس فضله.
تذكرة الحفاظ 1\160. وفيات الأعيان 2\511.


الثلاثاء، نوفمبر 23، 2010

أيما عبد جاءته موعظة من الله ....

 وهذا الإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي قال محدثا عن نفسه: بعث إلي أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين وأنا بالساحل، فأتيته،  فلما وصلت إليه سلّمت عليه بالخلافة، فرد عليّ واستجلسني، ثم قال لي: ما الذي أبطأ بك عنا يا أوزاعي؟.
قلت: وما الذي تريد يا أمير المؤمنين؟.
قال: أريد الأخذ عنكم والاقتباس منكم.
قلت: انظر يا أمير المؤمنين انك لا تجهل شيئا مما أقول.
قال: وكيف لا أجهله  وأنا أسألك عنه، وفيه وجهت إليك وأقدمتك له.
قلت: أخاف أن تسمعه ثم لا تعمل به.
قال الأوزاعي: فصاح بي الربيع وأهوى بيده إلى السيف فانتهره المنصور وقال: هذا مجلس مثوبة لا مجلس عقوبة.
فطابت نفسي وانبسطت في الكلام، فقلت: يا أمير المؤمنين حدثني مكحول بن عطية بن بشر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم~أيما عبد جاءته موعظة من الله في دينه فإنها نعمة من الله سيقت إليه، فان قبلها بشكر وإلا كانت حجة من الله عليه ليزداد إثما ويزداد الله بها سخطا عليه}.
يا أمير المؤمنين: من كره الحق فقد كره الله، إن الله هو الحق المبين، إن الذي ليّن قلوب أمتكم لكم حين ولاكم أمورهم لقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان بهم رؤوفا رحيما مواسيا لهم بنفسه من ذات يده محمودا عند الله وعند الناس، فحقيق بك أن تقوم له بالحق، وأن تكون بالقسط لهم فيهم قائما، ولعوراتهم ساترا، ولا تغلق عليك دونهم الأبواب ولا تقم دونهم الحجاب، تبتهج بالنعمة وتبتئس بما أصابهم من سوء.
يا أمير المؤمنين: قد كنت في شاغل من خاصة نفسك عن عامة الناس الذين أصبحت تملكهم أحمرهم وأسودهم ومسلمهم وكافرهم. وكل له عليك نصيب من العدل، فكيف إذا انبعث منهم فئام وراء فئام، وليس منهم أحد إلا وهو يشكو بليّة أدخلتها عليه، وظلمة سقتها إليه.
يا أمير المؤمنين: إن الملك لو بقي لمن قبلك لم يصل إليك، وكذا لا يبقى لك كما لم يبقى لغيرك.
يا أمير المؤمنين بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:~لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضيعة لخشيت أن أسأل عنها} فكيف بمن حرم عدلك وهو على بساطك؟ يا أمير المؤمنين: قد سأل جدك العباس النبي صلى الله عليه وسلم إمارة مكة أو الطائف أو اليمن فقال النبي صلى الله عليه وسلم:~ يا عباس يا عم النبي! نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها}. نصيحة منه لعمه وشفقة عليه وأخبره أنه لا يغني عنه من الله شيئا إذ أوحى الله إليه:{ وأنذر عشيرتك الأقربين}، فقال: يا عباس، يا صفيّة عمة النبي، ويا فاطمة بنت محمد، اني لست أغني  عنكم من الله شيئا، لي عملي ولكم عملكم.
وقال عمر بن الخطاب الأمراء أربعة:
فأمير قوي ظلف نفسه وعماله فذلك كالمجاهد في سبيل الله، يد الله باسطة عليه بالرحمة؛ وأمير فيه ضعف ظلف نفسه وأرتع عماله لضعفه فهو على شفا هلاك إلا أن يرحمه الله؛ وأمير ظلف عماله وأرتع نفسه فذلك الحطمة  الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:~شرّ الرعاة الحطمة} فهو الهالك وحده؛ وأمير أرتع نفسه وعماله فهلكوا جميعا.
ثم قال: يا أمير المؤمنين، إن أشدّ الشدّة القيام لله بحقه، وان أكرم الكرم عند الله التقوى، وانه من طلب العز بطاعة الله رفعه الله وأعزه، ومن طلبه بمعصية الله أذله الله ووضعه، فهذه نصيحتى إليك والسلام عليك. ثم نهضت فقال لي: إلى أين؟
فقلت: إلى الولد والوطن بإذن أمير المؤمنين إن شاء الله.
فقال: أذنت لك وشكرت نصحك وقبلتها.
قال محمد بن مصعب: فأمر له بمال يستعين به على خروجه فلم يقبله.
وقال: أنا في غنى عنه وما كنت لأبيع نصيحتي بعرض الدنيا.
وعرف المنصور مذهبه فلم يجد (يغضب) عليه في ذلك.

روى هذه النصيحة الحافظ ابن أبي الدنيا في مواعظ الخلفاء


الأحد، نوفمبر 21، 2010

سعيد بن جبير الأسدي

سعيد بن جبير الأسدي (46-95 هـ) تابعي حبشي الأصل، كان تقيا وعالما بالدين درس العلم عن عبد الله بن عباس حبر الأمة وعن عبد الله بن عمر وعن السيدة عائشة أم المؤمنين في المدينة المنورة، سكن الكوفة ونشر العلم فيها وكان من علماء التابعين، فأصبح إماما ومعلما لأهلها، قتله الحجاج بن يوسف الثقفي بسبب خروجه مع عبد الرحمن بن الأشعث في ثورته على بني أمية.
كان دعاء سعيد بن جبير على الحجاج قبل مقتله ~اللهم لا تسلطه على قتل أحد من بعدي}. وفعلا مات الحجاج دون أن يقتل أحد من بعد سعيد بن جبير. وبعد مقتل سعيد بن جبير اغتم الحجاج غما كبيرا وكان يقول: ما لي ولسعيد بن جبير كلما أردت النوم أخذ برجلي ويقال إنه رؤى الحجاج في النوم بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك ؟ فقال : قتلني بكل قتيل قتلة وقتلني بسعيد بن جبير سبعين قتلة، يوجد مرقد سعيد بن جبير بواسط في العراق.
وُلِدَ سعيد بن جبير في زمن خلافة الإمام على بن أبي طالب - رضي الله عنه- بالكوفة، وقد نشأ سعيد محبًّا للعلم، مقبلاً عليه، ينهل من معينه، فقرأ القرآن على ابن عباس، وأخذ عنه الفقه والتفسير والحديث، كما روى الحديث عن أكثر من عشرة من الصحابة، وقد بلغ رتبة في العلم لم يبلغها أحد من أقرانه، قال خصيف بن عبد الرحمن عن أصحاب ابن عباس: كان أعلمهم بالقرآن مجاهد وأعلمهم بالحج عطاء، وأعلمهم بالطلاق سعيد بن المسيب، وأجمعهم لهذه العلوم سعيد بن جبير.
كان ابن عباس يجعل سعيدًا بن جبير يفتي وهو موجود، ولما كان أهل الكوفة يستفتونه، فكان يقول لهم: أليس منكم ابن أم الدهماء؟ يعني سعيد بن جبير، وكان سعيد بن جبير كثير العبادة لله، فكان يحج مرة ويعتمر مرة في كل سنة، ويقيم الليل، ويكثر من الصيام، وربما ختم قراءة القرآن في أقل من ثلاثة أيام، وكان سعيد بن جبير مناهضًا للحجاج بن يوسف الثقفي أحد أمراء بني أمية، فأمر الحجاج بالقبض عليه، فلما مثل بين يديه، دار بينهما هذا الحوار:
الحجاج: ما اسمك؟ سعيد: سعيد بن جبير.
الحجاج: بل أنت شقي بن كسير.
سعيد: بل أمي كانت أعلم باسمي منك.
الحجاج: شقيتَ أنت، وشقيتْ أمك.
سعيد: الغيب يعلمه غيرك.
الحجاج: لأبدلنَّك بالدنيا نارًا تلظى.
سعيد: لو علمتُ أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهًا.
الحجاج: فما قولك في محمد.
سعيد: نبي الرحمة، وإمام الهدى.
الحجاج: فما قولك في على بن أبي طالب، أهو في الجنة أم في النار؟
سعيد: لو دخلتها؛ فرأيت أهلها لعرفت.
الحجاج: فما قولك في الخلفاء؟
سعيد: لست عليهم بوكيل.
الحجاج: فأيهم أعجب إليك؟
سعيد: أرضاهم لخالقي.
الحجاج: فأيهم أرضى للخالق؟
سعيد: علم ذلك عنده.
الحجاج: أبيتَ أن تَصْدُقَنِي.
سعيد: إني لم أحب أن أكذبك.
الحجاج: فما بالك لم تضحك؟
سعيد: لم تستوِ القلوب وكيف يضحك مخلوق خلق من طين والطين تأكله النار.
وهب سعيد حياته للإسلام، ولم يَخْشْ إلا الله، ولد في الكوفة، يفيد الناس بعلمه النافع، ويفقه الناس في أمور دينهم ودنياهم، فقد كان إمامًا عظيمًا من أئمة الفقه في عصر الدولة الأموية، حتى شهد له عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- بالسبق في الفقه والعلم، فكان إذا أتاه أهل مكة يستفتونه يقول: أليس فيكم ابن أم الدهماء (يقصد سعيد بن جبير).
كان سعيد بن جبير يملك لسانًا صادقًا وقلبًا حافظًا، لا يهاب الطغاة، ولا يسكت عن قول الحق، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، فألقى الحجاج بن يوسف القبض عليه بعد أن لفق له تهمًا كاذبة، وعقد العزم على التخلص منه، لم يستطع الحجاج أن يسكت لســانه عن قول الحق بالتـهديد أو التخويف، فقد كان سعيد بن جبير مؤمنًا قوي الإيمان، يعلم أن الموت والحياة والرزق كلها بيد الله، ولا يقدر عليه أحد سواه.
اتبع الحجاج مع سعيد بن جبير طريقًا آخر، لعله يزحزحه عن الحق، أغراه بالمال والدنيا، وضع أموالا كثيرة بين يديه، فما كان من هذا الإمام الجليل إلا أن أعطى الحجاج درسًا قاسيًا، فقال: إن كنت يا حجاج قد جمعت هذا المال لتتقي به فزع يوم القيامة فصالح، وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت. لقد أفهمه سعيد أن المال هو أعظم وسيلة لإصلاح الأعمال وصلاح الآخرة، إن جمعه صاحبه بطريق الحلال لاتـِّقاء فزع يوم القيامة..{يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء:88-89]. ومرة أخرى تفشل محاولات الحجاج لإغراء سعيد، فهو ليس من عباد الدنيا ولا ممن يبيعون دينهم بدنياهم، وبدأ الحجاج يهدد سعيدًا بالقضاء عليه، ودار هذا المشهد بينهما: الحجاج: ويلك يا سعيد! سعيد: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار. الحجاج: أي قتلة تريد أن أقتلك؟ سعيد: اختر لنفسك يا حجاج، فوالله ما تقتلني قتلة إلا قتلتك قتلة في الآخرة. الحجاج: أتريد أن أعفو عنك؟ سعيد: إن كان العفو فمن الله، وأما أنت فلا براءة لك ولا عُذر. الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه. فلما خرجوا ليقتلوه، بكي ابنه لما رآه في هذا الموقف، فنظر إليه سعيد وقال له: ما يبكيك؟ ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة؟ وبكي أيضًا صديق له، فقال له سعيد: ما يبكيك؟ الرجل: لما أصابك. سعيد: فلا تبك، كان في علم الله أن يكون هذا، ثم تلا: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد:22] ثم ضحك سعيد، فتعجب الناس وأخبروا الحجاج، فأمر بردِّه، فسأله الحجاج: ما أضحكك؟ سعيد: عجبت من جرأتك على الله وحلمه عنك. الحجاج: اقتلوه. سعيد: {وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين} [الأنعام: 79]. الحجاج: وجهوه لغير القبلة. سعيد: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115]. الحجاج: كبوه على وجهه. سعيد: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} [طه: 55]. الحجاج: اذبحوه. سعيد: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، خذها مني يا حجاج حتى تلقاني بها يوم القيامة، ثم دعا سعيد ربه فقال: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي.
مات سعيد شهيدًا في 11 رمضان 95 هـ الموافق 714م، وله من العمر تسع وخمسون سنة، مات ولسانه رطب بذكر الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقلا عن موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة