‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب. إظهار كافة الرسائل

الأحد، يناير 16، 2011

فِي الْحَيَاءِ ـ من كتاب أدب الدنيا والدين للشيخ أبى الحسن على بن محمد الماوردى

اعْلَمْ أَنَّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ مَعَانٍ كَامِنَةٌ تُعْرَفُ بِسِمَاتٍ دَالَّةٍ كَمَا قَالَتْ الْعَرَبُ فِي أَمْثَالِهَا: تُخْبِرُ عَنْ مَجْهُولِهِ مَرَآتُهُ وَكَمَا قَالَ سَلَمُ بْنُ عَمْرٍو الشَّاعِرِ:

لاَ تَسْأَلْ الْمَرْءَ عَنْ خَلاَئِقِهِ        فِي وَجْهِهِ شَاهِدٌ مِنْ الْخَبَرِ

فَسِمَةُ الْخَيْرِ الدَّعَةُ وَالْحَيَاءُ، وَسِمَةُ الشَّرِّ الْقِحَةُ وَالْبَذَاءُ، وَكَفَى بِالْحَيَاءِ خَيْرًا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخَيْرِ دَلِيلاً، وَكَفَى بِالْقِحَةِ وَالْبَذَاءِ شَرًّا أَنْ يَكُونَا إلَى الشَّرِّ سَبِيلاً.

وَقَدْ رَوَى حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنْ الايمَانِ، وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنْ النِّفَاقِ}. وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْعِيُّ فِي مَعْنَى الصَّمْتِ، وَالْبَيَانُ فِي مَعْنَى التَّشَادُقِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الاخَرِ: {إنَّ أَبْغَضَكُمْ إلَيَّ الثَّرْثَارُونَ الْمُتَفَيْهِقُونَ الْمُتَشَدِّقُونَ}.

وَرَوَى أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {الْحَيَاءُ مِنْ الايمَانِ وَالايمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَذَاءُ مِنْ الْجَفَاءِ وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ}. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ كَسَاهُ الْحَيَاءُ ثَوْبَهُ لَمْ يَرَ النَّاسُ عَيْبَهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: حَيَاةُ الْوَجْهِ بِحَيَائِهِ، كَمَا أَنَّ حَيَاةَ الْغَرْسِ بِمَائِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ الْعُلَمَاءُ: يَا عَجَبًا كَيْفَ لاَ تَسْتَحْيِي مِنْ كَثْرَةِ مَا لاَ تَسْتَحْيِي وَتَبْقَى مِنْ طُولِ مَا لاَ تَبْقَى. وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ، وَهُوَ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ:

إذَا قَلَّ مَاءُ الْوَجْهِ قَـلَّ حَيَـاؤُهُ        وَلاَ خَيْرَ فِي وَجْهٍ إذَا قَلَّ مَاؤُهُ
حَيَاؤُك فَاحْفَظْهُ عَلَيْك وَإِنَّمَـا        يَدُلُّ عَلَى فِعْلِ الْكَـرِيمِ حَيَـاؤُهُ


وَلَيْسَ لِمَنْ سُلِبَ الْحَيَاءَ صَادٌّ عَنْ قَبِيحٍ وَلاَ زَاجِرٌ عَنْ مَحْظُورٍ، فَهُوَ يَقْدَمُ عَلَى مَا يَشَاءُ وَيَأْتِي مَا يَهْوَى، وَبِذَلِكَ جَاءَ الْخَبَرُ. رَوَى شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ رِبْعِيٍّ عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ الْبَدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسَ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الاولَى: يَا ابْنَ آدَمَ إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ}. وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ إغْرَاءً بِفِعْلِ الْمَعَاصِي عِنْدَ قِلَّةِ الْحَيَاءِ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ مَنْ جَهِلَ مَعَانِيَ الْكَلاَمِ وَمُوَاضَعَاتِ الْخِطَابِ، وَفِي مِثْلِ هَذَا الْخَبَرِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

إذَا لَـمْ تَخْـشَ عَـاقِبَـةَ اللَّيَـالِـي        وَلَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا تَشَاءُ
فَـلاَ وَاَللَّهِ مَا فِي الْعَيْـــشِ خَيْرٌ        وَلاَ الدُّنْيَا إذَا ذَهَبَ الْحَيَاءُ
يَعِيشُ الْمَرْءُ مَا اسْتَحْيَا بِخَيْـرٍ        وَيَبْقَى الْعُودُ مَا بَقِيَ اللِّحَاءُ


وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى هَذَا الْخَبَرِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّاشِيُّ[1] فِي أُصُولِ الْفِقْهِ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَسْتَحِ دَعَاهُ تَرْكُ الْحَيَاءِ إلَى أَنْ يَعْمَلَ مَا يَشَاءُ لاَ يَرْدَعُهُ عَنْهُ رَادِعٌ. فَلِيَسْتَحِي الْمَرْءُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ يَرْدَعُهُ. وَسَمِعْت مَنْ يَحْكِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ إذَا عُرِضَتْ عَلَيْك أَفْعَالُك الَّتِي هَمَمْت بِفِعْلِهَا فَلَمْ تَسْتَحِ مِنْهَا لِحُسْنِهَا وَجَمَالِهَا فَاصْنَعْ مَا شِئْت مِنْهَا. فَجَعَلَ الْحَيَاءَ حَكَمًا عَلَى أَفْعَالِهِ وَكِلاَ الْقَوْلَيْنِ حَسَنٌ؛ وَالاوَّلُ أَشْبَهُ لأَِنَّ الْكَلاَمَ خَرَجَ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَخْرَجَ الذَّمِّ لاَ مَخْرَجَ الْمَدْحِ. لَكِنْ قَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ بِمَا يُضَاهِي الْقَوْلَ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: {مَا أَحْبَبْت أَنْ تَسْمَعَهُ أُذُنَاك فَأْتِهِ، وَمَا كَرِهْت أَنْ تَسْمَعَهُ أُذُنَاك فَاجْتَنِبْهُ}.

وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى الْمَعْنَى الصَّرِيحِ فِيهِ وَيَكُونُ التَّأْوِيلُ الاوَّلُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ أَصَحَّ إذْ لَيْسَ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ أَحَادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كُلُّهَا مُتَّفِقَةَ الْمَعَانِي بَلْ اخْتِلاَفُ مَعَانِيهَا أَدْخَلُ فِي الْحِكْمَةِ وَأَبْلَغُ فِي الْفَصَاحَةِ إذَا لَمْ يُضَادَّ بَعْضُهَا بَعْضًا.

وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَيَاءَ فِي الانْسَانِ قَدْ يَكُونُ مِنْ ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدِهَا: حَيَاؤُهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَالثَّانِي: حَيَاؤُهُ مِنْ النَّاسِ. وَالثَّالِثِ: حَيَاؤُهُ مِنْ نَفْسِهِ.

فَأَمَّا حَيَاؤُهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَالْكَفِّ عَنْ زَوَاجِرِهِ. وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَقَّ الْحَيَاءِ. فَقِيلَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ فَكَيْفَ نَسْتَحِي مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَقَّ الْحَيَاءِ؟ قَالَ: مَنْ حَفِظَ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى، وَالْبَطْنَ وَمَا وَعَى، وَتَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، وَذَكَرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، فَقَدْ اسْتَحَى مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَقَّ الْحَيَاءِ}. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَبْلَغِ الْوَصَايَا.

وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ، مُصَنِّفُ الْكِتَابِ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَنَامِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي: فَقَالَ: اسْتَحِ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَقَّ الْحَيَاءِ. ثُمَّ قَالَ: تَغَيَّرَ النَّاسُ. قُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: كُنْتُ أَنْظُرُ إلَى الصَّبِيِّ فَأَرَى مِنْ وَجْهِهِ الْبِشْرَ وَالْحَيَاءَ، وَأَنَا أَنْظُرُ إلَيْهِ الْيَوْمَ فَلاَ أَرَى ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ. ثُمَّ تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِوَصَايَا وَعِظَاتٍ تَصَوَّرْتُهَا، وَأَذْهَلَنِي السُّرُورُ عَنْ حِفْظِهَا وَوَدِدْت أَنِّي لَوْ حَفِظْتهَا. فَلَمْ يَبْدَأْ بِشَيْءٍ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ الْوَصِيَّةِ بِالْحَيَاءِ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَجَعَلَ مَا سَلَبَهُ الصَّبِيُّ مِنْ الْبِشْرِ وَالْحَيَاءِ سَبَبًا لِتَغَيُّرِ النَّاسِ، وَخَصَّ الصَّبِيَّ؛ لِأَنَّ مَا يَأْتِيهِ بِالطَّبْعِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ. فَصَلَّى اللَّهَ وَسَلِمْ عَلَى مَنْ هَدَى أُمَّتَهُ، وَتَابَعَ إنْذَارَهَا، وَقَطَعَ أَعْذَارَهَا، وَأَوْصَلَ تَأْدِيبَهَا، وَحَفِظَ تَهْذِيبَهَا، وَجَعَلَ لِكُلِّ عَصْرٍ حَظًّا مِنْ زَوَاجِرِهِ، وَنَصِيبًا مِنْ أَوَامِرِهِ. أَعَانَنَا اللَّهُ عَلَى قَبُولِهَا بِالْعَمَلِ، وَعَلَى اسْتِدَامَتِهَا بِالتَّوْفِيقِ.

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ عُلاَثَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عِظْنِي. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم {اسْتَحِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى اسْتِحْيَاءَك مِنْ ذَوِي الْهَيْبَةِ مِنْ قَوْمِك}. وَهَذَا الْحَيَاءُ يَكُونُ مِنْ قُوَّةِ الدَّيْنِ وَصِحَّةِ الْيَقِينِ. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {قِلَّةُ الْحَيَاءِ كُفْرٌ}. يَعْنِي مِنْ اللَّهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ أَوَامِرِهِ. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: {الْحَيَاءُ نِظَامُ الايمَانِ فَإِذَا انْحَلَّ نِظَامُ الشَّيْءِ تَبَدَّدَ مَا فِيهِ وَتَفَرَّقَ}. وَأَمَّا حَيَاؤُهُ مِنْ النَّاسِ فَيَكُونُ بِكَفِّ الاذَى وَتَرْكِ الْمُجَاهَرَةِ بِالْقَبِيحِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ اتَّقَى اللَّهَ اتَّقَى النَّاسَ}. وَرُوِيَ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ أَتَى الْجُمُعَةَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ انْصَرَفُوا فَتَنْكَبَّ الطَّرِيقَ عَنْ النَّاسِ، وَقَالَ: لاَ خَيْرَ فِيمَنْ لاَ يَسْتَحِي مِنْ النَّاسِ.

وَقَالَ بَشَّارُ بْنُ بُرْدٍ:

وَلَقَدْ أَصْرِفُ الْفُؤَادَ عَنْ الشَّيْ        ءِ حَيَــاءً وَحُبُّهُ فِي السَّـــــوَادِ
أُمْسِكُ النَّفْسَ بِالْعَفَافِ وَأُمْسِي        ذَاكِرًا فِي غَدٍ حَدِيثَ الاعَادِي


وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْحَيَاءِ قَدْ يَكُونُ مِنْ كَمَالِ الْمُرُوءَةِ وَحُبِّ الثَّنَاءِ. وَلِذَلِكَ قَالَ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ أَلْقَى جِلْبَابَ الْحَيَاءِ فَلاَ غِيبَةَ لَهُ}. يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِقِلَّةِ مُرُوءَتِهِ، وَظُهُورِ شَهْوَتِهِ.

وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ صلى الله عليه وسلم: {إنَّ مُرُوءَةَ الرَّجُلِ مَمْشَاهُ وَمَدْخَلُهُ وَمَخْرَجُهُ وَمَجْلِسُهُ وَإِلْفُهُ وَجَلِيسُهُ}. وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:

وَرُبَّ قَبِيحَةٍ مَا حَـالَ بَيْنِــي        وَبَيْنَ رُكُوبِهَـا الا الْحَيَــاءُ
إذَا رُزِقَ الْفَتَى وَجْهًا وَقَاحًا        تَقَلَّبَ فِي الامُورِ كَمَا يَشَاءُ


وَقَالَ آخَرُ:
إذَا لَمْ تَصُنْ عِرْضًا وَلَمْ تَخْشَ خَالِقًا        وَتَسْتَحِي مَخْلُوقًا فَمَا شِئْت فَاصْنَعْ

وَأَمَّا حَيَاؤُهُ مِنْ نَفْسِهِ فَيَكُونُ بِالْعِفَّةِ وَصِيَانَةِ الْخَلَوَاتِ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: لِيَكُنْ اسْتِحْيَاؤُك مِنْ نَفْسِك أَكْثَرَ مِنْ اسْتِحْيَائِك مِنْ غَيْرِك. وَقَالَ بَعْضُ الادَبَاءِ: مَنْ عَمِلَ فِي السِّرِّ عَمَلاً يَسْتَحِي مِنْهُ فِي الْعَلاَنِيَةِ فَلَيْسَ لِنَفْسِهِ عِنْدَهُ قَدْرٌ. وَدَعَا قَوْمٌ رَجُلًا كَانَ يَأْلَفُ عِشْرَتَهُمْ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ، وَقَالَ: إنِّي دَخَلْت الْبَارِحَةَ فِي الارْبَعِينَ وَأَنَا أَسْتَحِي مِنْ سِنِي. وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
فَسِرِّي كَإِعْلاَنِي وَتِلْكَ خَلِيقَتِي        وَظُلْمَةُ لَيْلِي مِثْلُ ضَوْءِ نَهَارِيَ

وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْحَيَاءِ قَدْ يَكُونُ مِنْ فَضِيلَةِ النَّفْسِ وَحُسْنِ السَّرِيرَةِ. فَمَتَى كَمُلَ حَيَاءُ الانْسَانِ مِنْ وُجُوهِهِ الثَّلاَثَةِ، فَقَدْ كَمُلَتْ فِيهِ أَسْبَابُ الْخَيْرِ، وَانْتَفَتْ عَنْهُ أَسْبَابُ الشَّرِّ، وَصَارَ بِالْفَضْلِ مَشْهُورًا، وَبِالْجَمِيلِ مَذْكُورًا. وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:

وَإِنِّي لِيُثْنِيَنِي عَنْ الْجَهْلِ وَالْخَنَى        وَعَنْ شَتْمِ ذِي الْقُرْبَى خَلاَئِقُ أَرْبَعُ
حَيَاءٌ وَإِسْلاَمٌ وَتَقْــوَى وَطَاعَــةٌ        لِــرَبِّي وَمِثْلِي مَـنْ يَضُــرُّ وَيَنْفَـــعُ


وَإِنْ أَخَلَّ بِأَحَدِ وُجُوهِ الْحَيَاءِ لَحِقَهُ مِنْ النَّقْصِ بِإِخْلاَلِهِ بِقَدْرِ مَا كَانَ يَلْحَقُهُ مِنْ الْفَضْلِ بِكَمَالِهِ. وَقَدْ قَالَ الرِّيَاشِيُّ: يُقَالُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه كَانَ يَتَمَثَّلُ بِهَذَا الشَّعْرِ:

وَحَاجَةٌ دُونَ أُخْرَى قَدْ سَخَتْ لَهَا        جَعَلْتُهَا لِلَّتِي أَخْفَيْتُ عُنْوَانَــا
إنِّي كَأَنِّي أَرَى مَـنْ لاَ حَيَـاءَ لَـــهُ        وَلاَ أَمَانَةَ وَسْطَ الْقَوْمِ عُرْيَانَا


[1] هو أبو بكر القفال الشاشى، من كبار الفقهاء والمحدثين، ونسب إلى الشاش، وعني بمذهب الشافعى. توفي سنة 366 هجري.

الجمعة، يناير 14، 2011

من كتاب الأدب الصغير لعبد الله بن المقفع

¯ لا عقل لمن أغفله عن آخرته ما يجد من لذة دنياه... وليس من العقل أن يحرمه حظه من الدنيا بصره بزوالها.

¯  من لا عقل له فلا دنيا له ولا آخرة.

¯ وأمارة صحة العقل... اختيار الأمور بالبصر وتنفيذ البصر بالعزم... وللعقول سجيات... وغرائز بها تقبل الأدب وبالأدب تنمى العقول وتزكو.

¯  والعقل بإذن الله هو الذي يحرز الحظ ويؤنس الغربة وينفي الفاقة ويعرف النكرة ويثمر المكسبة ويطيب الثمرة ويوجه السوقة عند السلطان ويستنزل للسلطان نصيحة السوقة ويكسب الصديق وينفي العدو.

¯  وليعلم أن على العاقل أموراً إذا ضيعها حكم عقله بمقارنة الجهال. فعلى العاقل أن يعلم أن الناس مشتركون فمستوون في الحب لما يوافق والبغض لما يؤذي وأن هذه منزلة اتفق عليها الحمقى والأكياس ثم اختلفوا بعدها في ثلاث خصال هن جماع الثواب وجماع الخطأ وعندهن تفرقت العلماء والجهال والحزمة والعجزة.

¯ ليس من الدنيا سرور يعدل صحبة الإخوان ولا فيها غم يعدل فقدهم.

¯ على العاقل مخاصمة نفسه ومحاسبتها والقضاء عليها والإثابة والتنكيل بها.

¯ أشد الفاقة عدم العقل وأشد الوحدة وحدة اللجوج ولا مال أفضل من العقل ولا أنيس آنس من الاستشارة.

¯ أفضل ما يورث الأباء الأبناء الثناء الحسن والأدب النافع والإخوان الصالحون.

¯ العجب آفة العقل واللجاجة قعود الهوى والبخل لقاح الحرص والمراء فساد العقل والحمية سبب الجهل والأنفة توأم السفه والمنافسة أخت العداوة.

¯ ليست للخلة التي هي للغنى مدح إلا وهي للفقير عيب... فإن كان شجاعاً... سمي أهوجاً وإن كان جواداً... سمي مفسداً... وإن كان حليماً... سمي ضعيفاً وإن كان قوياً... سمي بليداً وإن كان لسناً... سمي مهذاراً وإن كان صموتاً... سمي عيياً.

¯ إن للسلطان المقسط حقاً لا يصلح لخاصة ولا عامة أمر إلا بإرادته... فذو اللب حقيق على أن يخلص لهم النصيحة، ويبذل لهم الطاعة ويكتم سرهم ويزين سيرتهم ويذب بلسانه ويده عنهم... ، ولا يعثر عليهم إذا رضوا عنه، ولا يتغير عليهم إذا سخطوا عليه وأن يحمدهم على ما أصاب من خير منهم غيرهم، فإنه لا يقدر أحد أن يصيبه بخير إلا بفاع الله عنه بهم.

¯ وقد يسعى إلى أبواب السلطان أجناس من الناس كثير أم الصالح فمدعو وأما الطالح فمقتحم وأما ذو الأدب فطالب وأما من لا أدب له فمختلس وأما القوي فمدافع وأما الضعيف فمدفوع وأما المحسن فمستثيب وأما المسيء فمستجير فهو مجمع البر والفاجر والعالم والجاهلب والشريف والوضيع.

الثلاثاء، يناير 11، 2011

باب الناسك والضيف ( كليلة ودمنة )

قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف:  قد سمعت هذا المثل. فاضرب لي مثل الذي يدع صنعه الذي يليق به ويشاكله، ويطلب غيره فلا يدركه:  فيبقى حيران مترددا. قال الفيلسوف: زعموا أنه كان بأرض الكرخ ناسك عابد مجتهد. فنزل به ضيف ذات يوم، فدعا الناسك لضيفه بتمر:  ليطرفه به. فأكلا منه جميعا. ثم قال الضيف:  ما أحلى هذا التمر وأطيبه! فليس هو في بلادي التي أسكنها، وليته كان فيها! ثم قال:  أرى أن تساعدني على أن آخذ منه ما أغرسه في أرضنا:  فإني لست عارفا بثمار أرضكم، هذه ولا بمواضعها. فقال له الناسك: ليس لك في ذلك راحة:  فإن ذلك يثقل عليك. ولعل ذلك لا يوافق أرضكم، مع أن بلادكم كثيرة الأثمار فما حاجتها مع كثرة ثمارها إلى التمر مع وخامته وقلة موافقته للجسد؟ ثم قال له الناسك:  إنه لا يعد حكيما من طلب ما لا يجد. وإنك سعيد الجد إذا قنعت بالذي تجد، وزهدت فيها لا تجد.

وكان هذا الناسك يتكلم بالعبرانية. فاستحسن الضيف كلامه وأعجبه، فتكلف أن يتعلمه؛ وعالج في ذلك نفسه أياما. فقال الناسك لضيفه:  ما أخلقك أن تقع مما تركت من كلامك، وتكلفت من كلام العبرانية، في مثل ما وقع فيه الغراب! قال الضيف:  وكيف كان ذلك؟
قال الناسك:  زعموا أن غرابا رأى حجلة تدرج وتمشي، فأعجبته مشيتها، وطمع أن يتعلمها. فراض على ذلك نفسه، فلم يقدر على إحكامها، وأيس منها، وأراد أن يعود إلى مشيته التي كان عليها:  فإذا هو قد اختلط وتخلع في مشيته، وصار أقبح الطير مشيا. وإنما ضربت لك هذا المثل لما رأيت من أنك تركت لسانك الذي طبعت عليه، وأقبلت على لسان العبرانية، وهو لا يشاكلك، وأخاف ألا تدركه، وتنسى لسانك، وترجع إلى أهلك وأنت شرهم لسانا:  فإنه قد قيل:  إنه يعد جاهلا من تكلف من الأمور ما لا يشاكله، وليس من عمله ولم يؤدبه عليه آباؤه وأجداده من قبل.

الأحد، يناير 09، 2011

الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ ـ من كتاب أدب الدنيا والدين للشيخ أبى الحسن على بن محمد الماوردى

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: {ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}. وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهما: {دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لاَ يَرِيبُك فَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ وَالصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ}. وَرُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَصْلَحَ مِنْ لِسَانِهِ، وَأَقْصَرَ مِنْ عِنَانِهِ، وَأَلْزَمَ طَرِيقَ الْحَقِّ مِقْوَلَهُ، وَلَمْ يُعَوِّدْ الْخَطَلَ مَفْصِلَهُ}.

وَرَوَى صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: {قِيلَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: أَفَيَكُونُ بَخِيلًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: أَفَيَكُونُ كَذَّابًا ؟ قَالَ: لاَ}. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي قوله تعالى: {وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} أَيْ لاَ تَخْلِطُوا الصِّدْقَ بِالْكَذِبِ. وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: الْكَذَّابُ لِصٌّ؛ لِأَنَّ اللِّصَّ يَسْرِقُ مَالَك، وَالْكَذَّابُ يَسْرِقُ عَقْلَك. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْخَرَسُ خَيْرٌ مِنْ الْكَذِبِ وَصِدْقُ اللِّسَانِ أَوَّلُ السَّعَادَةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: الصَّادِقُ مُصَانٌ خَلِيلٌ، وَالْكَاذِبُ مُهَانٌ ذَلِيلٌ. وَقَالَ بَعْضُ الادَبَاءِ: لاَ سَيْفَ كَالْحَقِّ، وَلاَ عَوْنَ كَالصِّدْقِ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
وَ مَا شَيْءٌ إذَا فَكَّـرْتَ فِيـــهِ       بِأَذْهَبَ لِلْمُرُوءَةِ وَالْجَمَالِ
مِنْ الْكَذِبِ الَّذِي لاَ خَيْرَ فِيهِ       وَأَبْعَدَ بِالْبَهَاءِ مِنْ الرِّجَالِ
وَالْكَذِبُ جِمَاعُ كُلِّ شَرٍّ، وَأَصْلُ كُلِّ ذَمٍّ لِسُوءِ عَوَاقِبِهِ، وَخُبْثِ نَتَائِجِهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْتِجُ النَّمِيمَةَ، وَالنَّمِيمَةُ تُنْتِجُ الْبَغْضَاءَ، وَالْبَغْضَاءُ تُؤَوَّلُ إلَى الْعَدَاوَةِ، وَلَيْسَ مَعَ الْعَدَاوَةِ أَمْنٌ وَلاَ رَاحَةٌ. وَلِذَلِكَ قِيلَ: مَنْ قَلَّ صِدْقُهُ قَلَّ صَدِيقُهُ. وَالصِّدْقُ وَالْكَذِبُ يَدْخُلاَنِ الاخْبَارَ الْمَاضِيَةَ، كَمَا أَنَّ الْوَفَاءَ وَالْخُلْفَ يَدْخُلاَنِ الْمَوَاعِيدَ الْمُسْتَقْبَلَةَ؛ فَالصِّدْقُ هُوَ الاخْبَارُ عَنْ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَالْكَذِبُ هُوَ الاخْبَارُ عَنْ الشَّيْءِ بِخِلاَفِ مَا هُوَ عَلَيْهِ. وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا دَوَاعٍ. فَدَوَاعِي الصِّدْقِ لاَزِمَةٌ، وَدَوَاعِي الْكَذِبِ عَارِضَةٌ؛ لِأَنَّ الصِّدْقَ يَدْعُو إلَيْهِ عَقْلٌ مُوجِبٌ وَشَرْعٌ مُؤَكَّدٌ، فَالْكَذِبُ يَمْنَعُ مِنْهُ الْعَقْلُ وَيَصُدُّ عَنْهُ الشَّرْعُ. وَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ تَسْتَفِيضَ الاخْبَارُ الصَّادِقَةُ حَتَّى تَصِيرَ مُتَوَاتِرَةً، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَسْتَفِيضَ الاخْبَارُ الْكَاذِبَةُ؛ لِأَنَّ اتِّفَاقَ النَّاسِ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ إنَّمَا هُوَ لِاتِّفَاقِ الدَّوَاعِي، فَدَوَاعِي الصِّدْقِ يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ عَلَيْهَا، حَتَّى إذَا تَلَقَّوْا خَبَرًا، وَكَانُوا عَدَدًا يَنْتَفِي عَنْ مِثْلِهِمْ الْمُوَاطَأَةُ، وَقَعَ فِي النَّفْسِ صِدْقُهُ؛ لِأَنَّ الدَّوَاعِيَ إلَيْهِ نَافِعَةٌ، وَاتِّفَاقُ النَّاسِ فِي الدَّوَاعِي النَّافِعَةِ مُمْكِنٌ. وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ، الَّذِي لاَ يُمْكِنُ مُوَاطَأَةُ مِثْلِهِمْ، عَلَى نَقْلِ خَبَرٍ يَكُونُ كَذِبًا؛ لِأَنَّ الدَّوَاعِيَ إلَيْهِ غَيْرُ نَافِعَةٍ، وَرُبَّمَا كَانَتْ ضَارَّةً. وَلَيْسَ فِي جَارِي الْعَادَةِ أَنْ يَتَّفِقَ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ عَلَى دَوَاعٍ غَيْرِ نَافِعَةٍ. وَلِذَلِكَ جَازَ اتِّفَاقُ النَّاسِ عَلَى الصِّدْقِ؛ لِجَوَازِ اتِّفَاقِ دَوَاعِيهِمْ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى الْكَذِبِ لِامْتِنَاعِ اتِّفَاقِ دَوَاعِيهِمْ. وَإِذَا كَانَ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ دَوَاعٍ فَلاَ بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَا سَنَحَ بِهِ الْخَاطِرُ مِنْ دَوَاعِيهِمَا.
أَمَّا دَوَاعِي الصِّدْقِ فَمِنْهَا: الْعَقْلُ؛ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لِقُبْحِ الْكَذِبِ، لاَ سِيَّمَا إذَا لَمْ يَجْلِبْ نَفْعًا وَلَمْ يَدْفَعْ ضَرَرًا. وَالْعَقْلُ يَدْعُو إلَى فِعْلِ مَا كَانَ مُسْتَحْسَنًا، وَيَمْنَعُ مِنْ إتْيَانِ مَا كَانَ مُسْتَقْبَحًا، وَلَيْسَ مَا اُسْتُحْسِنَ مِنْ مُبَالَغَاتِ الشُّعَرَاءِ، حَتَّى صَارَ كَذِبًا صُرَاحًا، اسْتِحْسَانًا لِلْكَذِبِ فِي الْعَقْلِ كَاَلَّذِي أَنَشَدَنِيهِ الازْدِيُّ لِبَعْضِ الشُّعَرَاءِ:
تَوَهَّمَهُ فِكْرِي فَأَصْبَحَ خَـدُّهُ       وَفِيهِ مَكَانُ الْوَهْمِ مِنْ فِكْرَتِي أَثَرُ
وَصَـافَحَـهُ كَــفِّي فَآلَـمَ كَفَّـهُ       فَمِنْ لَمْسِ كَفِي فِي أَنَامِلِهِ عَقْــرُ
وَمَرَّ بِقَلْبِي خَاطِرًا فَجَرَحْتُهُ      وَلَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ  يَجْرَحُهُ الْفِكْــرُ
وَكَقَوْلِ الْعَبَّاسِ بْنِ الاحْنَفِ وَإِنْ كَانَ دُونَ هَذِهِ الْمُبَالَغَةِ:
تَقُولُ وَقَدْ كَتَبْتُ دَقِيقَ خَطِّــي       إلَيْهَا: لِمَ تَجَنَّبْتَ الْجَلِيلاَ
فَقُلْت لَهَا: نَحِلْتُ فَصَارَ خَطِّي       مُسَاعَدَةً لِكَاتِبِهِ نَحِيـــلاَ
لِأَنَّهُ خَرَجَ مُخْرَجَ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ وَالاقْتِدَارِ عَلَى صَنْعَةِ الشَّعْرِ، وَأَنَّ شَوَاهِدَ الْحَالِ تُخْرِجُهُ عَنْ تَلْبِيسِ الْكَذِبِ، وَكَذَلِكَ مَا اُسْتُحْسِنَ فِي الصَّنْعَةِ وَلَمْ يُسْتَقْبَحْ فِي الْعَقْلِ وَإِنْ كَانَ الْكَذِبُ مُسْتَقْبَحًا فِيهِ.
وَمِنْهَا: الدِّينُ الْوَارِدُ بِاتِّبَاعِ الصِّدْقِ وَحَظْرِ الْكَذِبِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ بِإِرْخَاصِ مَا حَظَرَهُ الْعَقْلُ، بَلْ قَدْ جَاءَ الشَّرْعُ زَائِدًا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ الْعَقْلُ مِنْ حَظْرِ الْكَذِبِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِحَظْرِ الْكَذِبِ وَإِنْ جَرَّ نَفْعًا أَوْ دَفَعَ ضَرَرًا؛ وَالْعَقْلُ إنَّمَا حَظْرَ مَا لاَ يَجْلِبُ نَفْعًا وَلاَ يَدْفَعُ ضَرَرًا.
وَمِنْهَا: الْمُرُوءَةُ فَإِنَّهَا مَانِعَةٌ مِنْ الْكَذِبِ بَاعِثَةٌ عَلَى الصِّدْقِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَمْنَعُ مَنْ فَعَلَ مَا كَانَ مُسْتَكْرَهًا، فَأَوْلَى مَنْ فَعَلَ مَا كَانَ مُسْتَقْبَحًا.
وَمِنْهَا: حُبُّ الثَّنَاءِ وَالاشْتِهَارِ بِالصِّدْقِ حَتَّى لاَ يُرَدَّ عَلَيْهِ قَوْلٌ وَلاَ يَلْحَقُهُ نَدَمٌ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: لِيَكُنْ مَرْجِعُك إلَى الْحَقِّ وَمَنْزَعُكَ إلَى الصِّدْقِ، فَالْحَقُّ أَقْوَى مُعِينٍ، وَالصِّدْقُ أَفْضَلُ قَرِينٍ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
عَوِّدْ لِسَانَك قَوْلَ الصِّدْقِ تَحْظَ بِهِ       إنَّ اللِّسَــانَ لِمَــا عَــــوَّدْتَ مُعْتَـــادُ
مُـــــوَكَّلٌ بِتَقَاضِي مَـا سَنَنْتَ لَــهُ       فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَانْظُرْ كَيْفَ تَرْتَادُ

وَأَمَّا دَوَاعِي الْكَذِبِ فَمِنْهَا: اجْتِلاَبُ النَّفْعِ وَاسْتِدْفَاعُ الضُّرِّ، فَيَرَى أَنَّ الْكَذِبَ أَسْلَمُ وَأَغْنَمُ فَيُرَخِّصُ لِنَفْسِهِ فِيهِ اغْتِرَارًا بِالْخُدَعِ، وَاسْتِشْفَافًا لِلطَّمَعِ. وَرُبَّمَا كَانَ الْكَذِبُ أَبْعَدَ لِمَا يُؤَمِّلُ وَأَقْرَبَ لِمَا يَخَافُ؛ لِأَنَّ الْقَبِيحَ لاَ يَكُونُ حَسَنًا وَالشَّرَّ لاَ يَصِيرُ خَيْرًا. وَلَيْسَ يُجْنَى مِنْ الشَّوْكِ الْعِنَبُ وَلاَ مِنْ الْكَرْمِ الْحَنْظَلُ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {تَحَرَّوْا الصِّدْقَ وَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنَّ فِيهِ الْهَلَكَةَ فَإِنَّ فِيهِ النَّجَاةَ، وَتَجَنَّبُوا الْكَذِبَ وَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنَّ فِيهِ النَّجَاةَ فَإِنَّ فِيهِ الْهَلَكَةَ}. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: لاَنْ يَضَعَنِي الصِّدْقُ وَقَلَّمَا يَفْعَلُ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَرْفَعَنِي الْكَذِبُ وَقَلَّمَا يَفْعَلُ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الصِّدْقُ مُنْجِيك وَإِنْ خِفْته، وَالْكَذِبُ مُرْدِيك وَإِنْ أَمِنْته. وَقَالَ الْجَاحِظُ: الصِّدْقُ وَالْوَفَاءُ تَوْأَمَانِ، وَالصَّبْرُ وَالْحِلْمُ تَوْأَمَانِ فِيهِنَّ تَمَامُ كُلِّ دِينٍ، وَصَلاَحُ كُلِّ دُنْيَا، وَأَضْدَادُهُنَّ سَبَبُ كُلِّ فُرْقَةٍ وَأَصْلُ كُلِّ فَسَادٍ.
وَمِنْهَا: أَنْ يُؤْثِرَ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُهُ مُسْتَعْذَبًا وَكَلاَمُهُ مُسْتَظْرَفًا، فَلاَ يَجِدُ صِدْقًا يُعْذَبُ وَلاَ حَدِيثًا يُسْتَظْرَفُ، فَيَسْتَحْلِي الْكَذِبَ الَّذِي لَيْسَتْ غَرَائِبُهُ مَعُوزَةً، وَلاَ ظَرَائِفُهُ مُعْجِزَةً.
وَهَذَا النَّوْعُ أَسْوَأُ حَالا مِمَّا قَبْلُ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُرُ عَنْ مَهَانَةِ النَّفْسِ وَدَنَاءَةِ الْهِمَّةِ. وَقَدْ قَالَ الْجَاحِظُ: لَمْ يَكْذِبْ أَحَدٌ قَطُّ الا لِصِغَرِ قَدْرِ نَفْسِهِ عِنْدَهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ: لاَ تَتَهَاوَنْ بِإِرْسَالِ الْكِذْبَةِ مِنْ الْهَزْلِ فَإِنَّهَا تُسْرِعُ إلَى إبْطَالِ الْحَقِّ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَقْصِدَ بِالْكَذِبِ التَّشَفِّيَ مِنْ عَدُوِّهِ فَيُسَمِّهِ بِقَبَائِحَ يَخْتَرِعُهَا عَلَيْهِ، وَيَصِفُهُ بِفَضَائِحَ يَنْسُبُهَا إلَيْهِ. وَيَرَى أَنَّ مَعَرَّةَ الْكَذِبِ غُنْمٌ وَأَنَّ إرْسَالَهَا فِي الْعَدُوِّ سَهْمٌ وَسُمٌّ. وَهَذَا أَسْوَأُ حَالا مِنْ النَّوْعَيْنِ الاوَّلِينَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْكَذِبِ الْمُعِرِّ وَالشَّرِّ الْمُضِرِّ. وَلِذَلِكَ وَرَدَ الشَّرْعُ بِرَدِّ شَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ.
وَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ دَوَاعِي الْكَذِبِ قَدْ تَرَادَفَتْ عَلَيْهِ حَتَّى أَلِفَهَا، فَصَارَ الْكَذِبُ لَهُ عَادَةً، وَنَفْسُهُ إلَيْهِ مُنْقَادَةٌ، حَتَّى لَوْ رَامَ مُجَانَبَةَ الْكَذِبِ عَسِرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ طَبْعٌ ثَانٍ. وَقَدْ قَالَتْ الْحُكَمَاءُ: مَنْ اسْتَحْلَى رَضَاعَ الْكَذِبِ عَسِرَ فِطَامُهُ. وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: لاَ يَلْزَمُ الْكَذَّابَ شَيْءٌ الا غَلَبَ عَلَيْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْكَذَّابِ قَبْلَ خِبْرَتِهِ أَمَارَاتٍ دَالَّةً عَلَيْهِ.
فَمِنْهَا: أَنَّك إذَا لَقَّنْتَهُ الْحَدِيثَ تَلَقَّنَهُ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ مَا لَقَّنْته وَبَيْنَ مَا أَوْرَدَهُ فَرْقٌ عِنْدَهُ.
وَمِنْهَا: أَنَّك إذَا شَكَّكْتَهُ فِيهِ تَشَكَّكَ حَتَّى يَكَادَ يَرْجِعُ فِيهِ، وَلَوْلاَك مَا تَخَالَجَهُ الشَّكُّ فِيهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّك إذَا رَدَدْت عَلَيْهِ قَوْلَهُ حُصِرَ وَارْتَبَكَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ نُصْرَةُ الْمُحْتَجِّينَ، وَلاَ بُرْهَانُ الصَّادِقِينَ. وَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: الْكَذَّابُ كَالسَّرَابِ.
وَمِنْهَا: مَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنْ رِيبَةِ الْكَذَّابِينَ وَيَنُمُّ عَلَيْهِ مِنْ ذِلَّةِ الْمُتَوَهِّمِينَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ لاَ يُمْكِنُ الانْسَانُ دَفْعَهَا عَنْ نَفْسِهِ؛ لِمَا فِي الطَّبْعِ مِنْ آثَارِهَا. وَلِذَلِكَ قَالَتْ الْحُكَمَاءُ: الْعَيْنَانِ أَنَمُّ مِنْ اللِّسَانِ. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: الْوُجُوهُ مَرَايَا تُرِيك أَسْرَارَ الْبَرَايَا.
وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
تُرِيكَ أَعْيُنُهُمْ مَا فِي صُدُورِهِمْ      إنَّ الْعُيُونَ يُؤَدِّي سِرَّهَا النَّظَرُ

وَإِذَا اتَّسَمَ بِالْكَذِبِ نُسِبَتْ إلَيْهِ شَوَارِدُ الْكَذِبِ الْمَجْهُولَةُ، وَأُضِيفَتْ إلَى أَكَاذِيبِهِ زِيَادَاتٌ مُفْتَعَلَةٌ حَتَّى يَصِيرَ الْكَاذِبُ مَكْذُوبًا عَلَيْهِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ مَعَرَّةِ الْكَذِبِ مِنْهُ وَمَضَرَّةِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ. وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
حَسْبُ الْكَذُوبِ مِنْ الْبَلِيَّـ       ـةِ بَعْضُ مَا يُحْكَى عَلَيْهِ
فَــإِذَا سَمِعْـــــت بِكِذْبَــةٍ       مِــنْ غَيْـرِهِ نُسِبَـتْ إلَيْـهِ

ثُمَّ إنَّهُ إنْ تَحَرَّى الصِّدْقَ اُتُّهِمَ، وَإِنْ جَانَبَ الْكَذِبَ كُذِّبَ، حَتَّى لاَ يُعْتَقَدُ لَهُ حَدِيثٌ يُصَدَّقُ، وَلاَ كَذِبٌ مُسْتَنْكَرٌ. وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
إذَا عُرِفَ الْكَذَّابُ بِالْكَذِبِ لَمْ يَكَدْ    يُصَدَّقُ فِي شَيْءٍ وَإِنْ كَانَ صَادِقَا
وَمِنْ آفَـةِ الْكَـذَّابِ نِسْيَــانُ كِـذْبِـهِ     وَتَلْقَــاهُ ذَا حِفْظٍ إذَا كَـانَ صَادِقَــا

وَقَدْ وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِإِرْخَاصِ الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ وَإِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ عَلَى وَجْهِ التَّوْرِيَةِ، وَالتَّأْوِيلِ دُونَ التَّصْرِيحِ بِهِ. فَإِنَّ السُّنَّةَ لاَ يَجُوزُ أَنْ تَرِدَ بِإِبَاحَةِ الْكَذِبِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْفِيرِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّوْرِيَةِ وَالتَّعْرِيضِ، كَمَا {سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ تَطَرَّفَ بِرِدَاءٍ وَانْفَرَدَ عَنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مِمَّنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: مِنْ مَاءٍ}، فَوَرَّى عَنْ الاخْبَارِ بِنَسَبِهِ بِأَمْرٍ يَحْتَمِلُ. فَظَنَّ السَّائِلُ أَنَّهُ عَنَى الْقَبِيلَةَ الْمَنْسُوبَةَ إلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي يُخْلَقُ مِنْهُ الانْسَانُ، فَبَلَغَ مَا أَحَبَّ مِنْ إخْفَاءِ نَفْسِهِ وَصَدَقَ فِي خَبَرِهِ. وَكَاَلَّذِي حُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ هَاجَرَ مَعَهُ فَتَلْقَاهُ الْعَرَبُ وَهُمْ يَعْرِفُونَ أَبَا بَكْرٍ وَلاَ يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيَقُولُونَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَنْ هَذَا ؟ فَيَقُولُ: هَادٍ يَهْدِينِي السَّبِيلَ فَيَظُنُّونَ أَنَّهُ يَعْنِي هِدَايَةَ الطَّرِيقِ، وَهُوَ إنَّمَا يُرِيدُ هِدَايَةَ سَبِيلِ الْخَيْرِ، فَيَصْدُقُ فِي قَوْلِهِ وَيُوَرِّي عَنْ مُرَادِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنْ الْكَذِبِ}. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: إنَّ فِي الْمَعَارِيضِ مَا يَكْفِي أَنْ يَعِفَّ الرَّجُلَ عَنْ الْكَذِبِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي قوله تعالى {لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ}. أَنَّهُ لَمْ يَنْسَ وَلَكِنَّهُ مَعَارِيضُ الْكَلاَمِ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: الْكَلاَمُ أَوْسَعُ مِنْ أَنْ يُصَرَّحَ فِيهِ بِالْكَذِبِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ الصِّدْقِ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْكَذِبِ فِي الْقُبْحِ وَالْمَعَرَّةِ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ فِي الاذَى وَالْمَضَرَّةِ، وَهِيَ الْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ وَالسِّعَايَةُ.
فَأَمَّا الْغِيبَةُ فَإِنَّهَا خِيَانَةٌ وَهَتْكُ سِتْرٍ يَحْدُثَانِ عَنْ حَسَدٍ وَغَدْرٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا}. يَعْنِي أَنَّهُ كَمَا لاَ يَحِلُّ لَحْمُهُ مَيِّتًا لاَ تَحِلُّ غِيبَتُهُ حَيًّا. وَرُوِيَ {أَنَّ امْرَأَتَيْنِ صَامَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَجَعَلَتَا تَغْتَابَانِ النَّاسَ فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: صَامَتَا عَمَّا أُحِلَّ لَهُمَا، وَأَفْطَرَتَا عَلَى مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمَا}.
وَرَوَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ ذَبَّ عَنْ لَحْمِ أَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُحَرِّمَ لَحْمَهُ عَلَى النَّارِ}.

وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: الْغِيبَةُ رَعْيُ اللِّئَامِ. وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رحمه الله تعالى، يَقُولُ: الْغِيبَةُ فَاكِهَةُ النِّسَاءِ. وَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ سِيرِينَ رحمه الله: إنِّي اغْتَبْتُك فَاجْعَلْنِي فِي حِلٍّ. فَقَالَ مَا أُحِبُّ أَنْ أَحِلَّ لَك مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْك. وَقَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ: لاَ تُعِنْ النَّاسَ عَلَى عَيْبِك بِسُوءِ غَيْبِك. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
لاَ تَلْتَمِسْ مِنْ مَسَاوِي النَّاسِ مَا سَتَرُوا     فَيَهْتِكَ اللَّهُ سِتْرًا مِنْ مَسَاوِيكَا
وَاذْكُـرْ مَحَــاسِنَ مَا  فِيهِــمْ إذَا ذُكِــرُوا     وَلاَ تَعِبْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِمَا فِيكَــا
وَرُبَّمَا عَذَرَ الْمُغْتَابُ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ يَقُولُ حَقًّا وَيُعْلِنُ فِسْقًا. وَيَسْتَشْهِدُ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {ثَلاَثَةٌ لَيْسَتْ غِيبَتُهُمْ بِغِيبَةٍ الامَامُ الْجَائِرُ وَشَارِبُ الْخَمْرِ وَالْمُعْلِنُ بِفِسْقِهِ}. فَيَبْعُدُ مِنْ الصَّوَابِ وَيُجَانِبُ الادَبَ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ بِالْغِيبَةِ صَادِقًا فَقَدْ هَتَكَ سِتْرًا كَانَ بِصَوْنِهِ أَوْلَى وَجَاهَرَ مَنْ أَسَرَّ وَأَخْفَى. وَرُبَّمَا دَعَا الْمُغْتَابَ ذَلِكَ إلَى إظْهَارِ مَا كَانَ يَسْتُرُهُ، وَالْمُجَاهَرَةِ بِمَا كَانَ يُضْمِرُهُ، فَلَمْ يَفِدْ ذَلِكَ الا فَسَادَ أَخْلاَقِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ صَلاَحٌ لِغَيْرِهِ. وَقَدْ قِيلَ لِأَنُوشِرْوَان: مَا الَّذِي لاَ خَيْرَ فِيهِ؟ قَالَ: مَا ضَرَّنِي وَلَمْ يَنْفَعْ غَيْرِي، أَوْ ضَرَّ غَيْرِي وَلَمْ يَنْفَعْنِي، فَلاَ أَعْلَمُ فِيهِ خَيْرًا.
وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: لاَ تُبْدِ مِنْ الْعُيُوبِ مَا سَتَرَهُ عَلاَمُ الْغُيُوبِ. وَقَدْ رَوَى الْعَلاَءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: {سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْغِيبَةِ فَقَالَ: هِيَ أَنْ تَقُولَ لِأَخِيك مَا فِيهِ فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدْ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَقَدْ بَهَتَهُ}. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ فِي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} إنَّهُ اسْتِهْزَاءُ الْمُسْلِمِ بِمَنْ أَعْلَنَ بِفِسْقِهِ.
{وَدَخَلَتْ امْرَأَةٌ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُسْتَفْتِيَةً فَلَمَّا خَرَجَتْ قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَقْصَرَهَا. فَقَالَ: مَهْلًا إيَّاكِ وَالْغِيبَةَ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّمَا قُلْت مَا فِيهَا. قَالَ: أَجَلْ وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَكَانَ بُهْتَانًا}. وَسُئِلَ بَعْضُ الادَبَاءِ عَنْ صِفَةِ اللَّئِيمِ، فَقَالَ: اللَّئِيمُ إذَا غَابَ عَابَ، وَإِذَا حَضَرَ اغْتَابَ. فَأَمَّا الْخَبَرُ فَمَحْمُولٌ عَلَى الانْكَارِ لِأَفْعَالِ هَؤُلاَءِ وَلاَ يَكُونُ الانْكَارُ غِيبَةً؛ لِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، وَفَرْقٌ بَيْنَ إنْكَارِ الْمُجَاهِرِ وَغِيبَةِ الْمُسَاتَرِ.
وَأَمَّا النَّمِيمَةُ: فَهِيَ أَنْ تَجْمَعَ إلَى مَذَمَّةِ الْغِيبَةِ رَدَاءَةً وَشَرًّا، وَتَضُمَّ إلَى لُؤْمِهَا دَنَاءَةً وَغَدْرًا. ثُمَّ تُؤَوَّلُ إلَى تَقَاطُعِ الْمُتَوَاصِلِينَ، وَتَبَاغُضِ الْمُتَحَابِّينَ. وَرَوَى شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {الا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: مِنْ شِرَارِكُمْ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفْسِدُونَ بَيْنَ الاحِبَّةِ الْبَاغُونَ الْعُيُوبَ}.

وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {مَلْعُونٌ ذُو الْوَجْهَيْنِ، مَلْعُونٌ ذُو اللِّسَانَيْنِ مَلْعُونٌ كُلُّ شَفَّارٍ، مَلْعُونٌ كُلُّ قَتَّاتٍ، مَلْعُونٌ كُلُّ مَنَّانٍ}.
الشَّفَّارُ الْمُحَرِّشُ بَيْنَ النَّاسِ يُلْقِي بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ، وَالْقَتَّاتُ النَّمَّامُ وَقِيلَ النَّمَّامُ الَّذِي يَكُونُ مَعَ الْقَوْمِ يَتَحَدَّثُونَ فَيَنُمُّ حَدِيثَهُمْ، وَالْقَتَّاتُ هُوَ الَّذِي يَسْتَمِعُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ فَيَنُمُّ حَدِيثَهُمْ، وَالْمَنَّانُ هُوَ الَّذِي يَصْنَعُ الْخَيْرَ وَيَمُنُّ بِهِ.

وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: النَّمِيمَةُ سَيْفٌ قَاتِلٌ. وَقَالَ بَعْضُ الادَبَاءِ: لَمْ يَمْشِ مَاشٍ شَرٌّ مِنْ وَاشٍ.
فَأَمَّا السِّعَايَةُ فَهِيَ شَرُّ الثَّلاَثَةِ؛ لِأَنَّهَا تَجْمَعُ إلَى مَذَمَّةِ الْغِيبَةِ وَلُؤْمِ النَّمِيمَةِ، التَّغْرِيرَ بِالنُّفُوسِ وَالامْوَالِ، وَالْقَدَحَ فِي الْمَنَازِلِ وَالاحْوَالِ. وَرَوَى ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {الْجَنَّةُ لاَ يَدْخُلُهَا دَيُّوثٌ وَلاَ قَلاَعٌ}.
الدَّيُّوثُ هُوَ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَدُثُّ بَيْنَهُمْ.
وَالْقَلاَعُ هُوَ السَّاعِي الَّذِي يَقَعُ فِي النَّاسِ عِنْدَ الامَرَاءِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي الرَّجُلَ الْمُتَمَكِّنَ عِنْدَ الامِيرِ فَلاَ يَزَالُ يَقَعُ فِيهِ حَتَّى يَقْلَعَهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: السَّاعِي بَيْنَ مَنْزِلَتَيْنِ قَبِيحَتَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ صَدَقَ فَقَدْ خَانَ الامَانَةَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ كَذَبَ فَخَالَفَ الْمُرُوءَةَ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الصِّدْقُ يُزَيِّنُ كُلَّ أَحَدٍ الا السُّعَاةَ، فَإِنَّ السَّاعِيَ أَذَمُّ وَآثَمُ مَا يَكُونُ إذَا صَدَقَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: النَّمِيمَةُ دَنَاءَةٌ وَالسِّعَايَةُ رَدَاءَةٌ، وَهُمَا رَأْسُ الْغَدْرِ وَأَسَاسُ الشَّرِّ فَتَجَنَّبْ سُبُلَهُمَا، وَاجْتَنِبْ أَهْلَهُمَا. وَوَقَعَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ عَلَى قِصَّةِ سَاعٍ سَعَى إلَيْهِ: نَحْنُ نَرَى قَبُولَ السِّعَايَةِ شَرًّا مِنْهَا؛ لِأَنَّ السِّعَايَةَ دَلاَلَةٌ، وَالْقَبُولَ إجَازَةٌ، فَاتَّقُوا السَّاعِيَ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ فِي سِعَايَتِهِ صَادِقًا كَانَ فِي صِدْقِهِ آثِمًا، إذْ لَمْ يَحْفَظْ الْحُرْمَةَ وَيَسْتُرْ الْعَوْرَةَ.
وَقَالَ الاسْكَنْدَرُ لِرَجُلٍ سَعَى إلَيْهِ بِرَجُلٍ: أَتُحِبُّ أَنْ نَقْبَلَ مِنْك مَا تَقُولُ فِيهِ عَلَى أَنْ نَقْبَلَ مِنْهُ مَا يَقُولُ فِيك ؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: فَكُفَّ عَنْ الشَّرِّ يَكُفَّ عَنْك الشَّرُّ. وَرُوِيَ أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إلَى مُوسَى - عَلَى نَبِيّنَا وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ - أَنَّ فِي بَلَدِك سَاعِيًا وَلَسْتُ أُخْبِرُك وَهُوَ فِي أَرْضِك. قَالَ يَا رَبِّ دُلَّنِي عَلَيْهِ حَتَّى أُخْرِجَهُ فَقَالَ: يَا مُوسَى أَكْرَهُ النَّمِيمَةَ وَأَنُمُّ.

السبت، يناير 08، 2011

عمرو بن بحر بن محبوب أبو عثمان، الشهير بالجاحظ

من رسالة الى محمد بن عبد الملك الزيات
"والله ما عالج الناس داء قط أودى من الغيظ ولا رأيت شيء هو أنفذ من شماتة الأعداء ولا أعلم بابً أجمع لخصال المكروه من الذل، ولكن المظلوم ما دام يجد من يرجوه، والمبتلى ما دام يجد من يرثى له فهو على سبب درك وإن تطاولت به الأيام، فكم من كربة فادحة وضيقة مصمتة قد فتحت أقفالها وفككت أغلالها، ومهما قصرت فيه فلم أقصر بالمعرفة بفضلك، وفي حسن النية بيني وبينك، ولا مشيت في الهوى ، ولا مقسم الأمل، على تقصير احتملته، وتفريط قد اغتفرته، ولعل ذلك أن يكون من ديون الإذلال وجرائم الإغفال، ومهما كان من ذلك فلن أجمع بين الإساءة والإنكار، وإن كنت كما تصف من التقصير وما تعرف من التفريط، فإني من شاكري أهل هذا الزمان، وحسن الحال، متوسط المذهب، وأنا أحمد الله على أن كانت مرتبتك من المنعمين فوق مرتبتي في الشاكرين، وقد كانت علي بك نعمة أذاقتني طعم العز، وعودتني روح الكفاية، ولوت هذا الدهر وجهده، ولما مسخ الله الإنسان قرداً وخنزيراً ترك فيهما مشابهة من الإنسان، ولما مسخ زماننا لم يترك فيه مشابهة من الأزمان.”
 
ما جاء في القناعة
كان   يقال أروح الروح القناعة، وهي أقصى رتبة الفقير كما أن أقصى رتبة الغني الشكر. وقال الحسن بن سهل: ما رأيت رجلا قط مقصرا في مطالبة الظفر بالفضل إلا وسعت عليه العذر وإن كان عظيم التفريط، إذا كانت الأنفس مطبوعة على حب السعي في حواية الفضل. وذلك دليل على أن اقتصار هذا على ما قل منه دون ما كثر لما وقف عليه من القسم وميلا إلى راحة القناعة. أنشدني بعضهم للعطوي:
الحر يد نس بين الحرص والطلب       فاخلـع لباسهم بالعلم والأدب
أقبح بوجـه يسـار كان قائــده       وجها رعت كنفيه ذلة الطلب
مـا كـان قائـده ذلا وسائقــه       منا فأكرم منه لوعـة السغب

وأنشدت لمحمد بن حازم الباهلي.
ما كان مال يفوت  دون غـد        فليس بي حاجة إلى أحـد
إن غنى النفس رأس كل غنى       فما افتقار إلا إلى  الصمد
رب عديم أعـز مـن أسـد       ورب مثر أقل مـن نقـد
الناس صنفان في زمانك ذا        ، لو تبتغي غير ذين لم تجد
هـذا بخيـل وعنـده سعـة       وذا جواد بغير ذات  يـد
قرأت في كتاب كليلة ودمنة: إن من صفة الناسك السكينة لغلبة التواضع وإتيان القناعة ورفض الشهوات ليتخلى من الأحزان وترك إخافة الناس لئلا يخافهم. وفيه إن الرجل ذا المروءة يكرم من غير مال كالأسد الذي يخاف وإن كان رابضا. والغني الذي لا مروءة له يهان وإن كثر ماله كالكلب وإن كان جوالا.

الجمعة، يناير 07، 2011

البلاغة عند عبد الله بن المقفع

قال: البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة، فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الحديث، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جواباً، ومنها ما يكون ابتداء. ومنها ما يكون من هذه الأبواب الوحي فيها.. والإشارة إلى المعنى.. والإيجاز هو البلاغة، فأما الخطب بين السماطين .. وفي إصلاح ذات البين فالإكثار في غير خطل، وإطالة في غير إملال.. وليكن في صدرك دليل على حاجتك.. كما أن خير أبيات الشعر.. البيت الذي إذا سمعت صدره.. عرفت قافيته .!

ثم قيل له: فإن مل المستمع الإطالة.. التي ذكرت أنها حق ذلك الموقف..؟
قال ابن المقفع: (إذا أعطيت كل مقام حقه.. وقمت بالذي يجب من سياسة ذلك المقام‘ وأرضيت من يعرف حقوق الكلام .. فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو، فإنه لا يرضيها شيء، وأما الجاهل فلت منه وليس منك..! ورضا جميع الناس شيء لا تناله، وقد كان يقال: رضى الناس شيء لا ينال)

يقول في آداب خطبة النكاح ما نصه: (والسنة في النكاح أن يطيل الخاطب، ويقصر المجيب، ألا ترى إلى قيس بن خارجة ابن سنان لما ضرب بصفيحة سيفه مؤخرة راحلتي الحاملين في شأن حمالة داحس والغبراء
قال: ما لي فيها أيها العشتمان؟
قالا له: بل ما عندك؟
قال: عندي قرى كل نازل.. ورضا كل ساخط..!
وخطبة.. من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب.. آمر فيها بالتواصل، وأنهى فيها عن التقاطع..)

سئل ابن المقفع عن قول عمر بن الخطاب: ما يتصعدني كلام كما تصعدني خطبة النكاح.
قال: ما أعرفه إلا أن يكون أراد قرب الوجوه من الوجوه.. ونظر الحداق من قرب في أجواف الحداق.. ولأنه إذا كان جالساً معهم كانوا كأنهم نظراء وأكفاء، وإذا علا المنبر صاروا سوقه ورعية قارب عدوك بعض المقاربة تنل حاجتك.. ولا تقاربه كل المقاربة فيجترئ عليك عدوك وتذل نفسك ويرغب عنك ناصرك.!

ومثل ذلك مثل العود.. المنصوب في الشمس.. إن أملته قليلاً.. زاد ظله.!
وإن جاوزت الحد في إمالته.. نقص الظل.!

الاثنين، ديسمبر 27، 2010

حُسْنِ الْخُلُقِ

درر منتقاة من كتاب أدب الدنيا والدين للشيخ أبى الحسن على بن محمد الماوردى

رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَ لَكُمْ الاسْلاَمَ دِينًا فَأَكْرِمُوهُ بِحُسْنِ الْخُلُقِ وَالسَّخَاءِ فَإِنَّهُ لاَ يَكْمُلُ الا بِهِمَا}. وَقَالَ الاحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: الا أُخْبِرُكُمْ بِأَدْوَأِ الدَّاءِ ؟ قَالُوا بَلَى. قَالَ الْخُلُقُ الدَّنِيُّ وَاللِّسَانُ الْبَذِيُّ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ سَاءَ خُلُقُهُ ضَاقَ رِزْقُهُ.
وَعِلَّةُ هَذَا الْقَوْلِ ظَاهِرَةٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: الْحَسَنُ الْخُلُقِ مَنْ نَفْسُهُ فِي رَاحَةٍ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي سَلاَمَةٍ. وَالسَّيِّئُ الْخُلُقِ النَّاسُ مِنْهُ فِي بَلاَءٍ، وَهُوَ مِنْ نَفْسِهِ فِي عَنَاءٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: عَاشِرْ أَهْلَك بِأَحْسَنِ أَخْلاَقِك فَإِنَّ الثَّوَاءَ فِيهِمْ قَلِيلٌ.
وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
إذَا لَمْ  تَتَّسِعْ أَخْـــلاَقُ قَوْمٍ       تَضِيقُ بِهِمْ فَسِيحَاتُ الْبِلاَدِ
إذَا مَا الْمَرْءُ لَمْ يُخْلَقُ لَبِيبًا       فَلَيْسَ اللُّبُّ عَـنْ قِدَمِ الْوِلاَدِ
فَإِذَا حَسُنَتْ أَخْلاَقُ الانْسَانِ كَثُرَ مُصَافُوهُ، وَقَلَّ مُعَادُوهُ، فَتَسَهَّلَتْ عَلَيْهِ الامُورُ الصِّعَابُ، وَلاَنَتْ لَهُ الْقُلُوبُ الْغِضَابُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ {حُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجُوَارِ يُعَمِّرَانِ الدِّيَارَ وَيَزِيدَانِ فِي الاعْمَارِ}. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مِنْ سَعَةِ الاخْلاَقِ كُنُوزُ الارْزَاقِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كَثْرَةِ الاصْفِيَاءِ الْمُسْعِدِينَ، وَقِلَّةِ الاعْدَاءِ الْمُجْحِفِينَ. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {أَحَبُّكُمْ إلَيَّ أَحْسَنكُمْ أَخْلاَقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ}. وَحُسْنُ الْخَلْقِ أَنْ يَكُونَ سَهْلَ الْعَرِيكَةِ، لَيِّنَ الْجَانِبِ، طَلِيقَ الْوَجْهِ، قَلِيلَ النُّفُورِ، طَيِّبَ الْكَلِمَةِ.
وَقَدْ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الاوْصَافَ فَقَالَ: {أَهْلُ الْجَنَّةِ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ طَلْقٍ}. وَلَمَّا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الاوْصَافِ حُدُودًا مُقَدَّرَةً وَمَوَاضِعَ مُسْتَحَقَّةً، مَا قَالَ الشَّاعِرُ:
أَصْفُو وَأَكْدُرُ أَحْيَانًا لِمُخْتَبِرِي      وَلَيْسَ مُسْتَحْسَنًا صَفْوٌ بِلاَ كَدَرِ
وَلَيْسَ يُرِيدُ بِالْكَدَرِ الَّذِي هُوَ الْبَذَاءُ وَشَرَاسَةُ الْخُلُقِ، فَإِنَّ ذَلِكَ ذَمٌّ لاَ يُسْتَحْسَنُ وَعَيْبٌ لاَ يَرْتَضِي. وَإِنَّمَا يُرِيدُ الْكَفَّ وَالانْقِبَاضَ فِي مَوْضِعٍ يُلاَمُ فِيهِ الْمُسَاعِدُ وَيُذَمُّ فِيهِ الْمُوَافِقُ، فَإِذَا كَانَتْ لِمَحَاسِنِ الاخْلاَقِ حُدُودٌ مُقَدَّرَةٌ وَمَوَاضِعُ مُسْتَحَقَّةٌ فَإِنْ تَجَاوَزَ بِهَا الْحَدَّ صَارَتْ مَلَقًا وَإِنْ عَدْلَ بِهَا عَنْ مَوَاضِعِهَا صَارَتْ نِفَاقًا. وَالْمَلَقُ ذُلٌّ، وَالنِّفَاقُ لُؤْمٌ، وَلَيْسَ لِمَنْ وُسِمَ بِهِمَا وُدٌّ مَبْرُورٌ وَلاَ أَثَرٌ مَشْكُورٌ. وَقَدْ رَوَى حَكِيمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {شَرُّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ}. وَرَوَى مَكْحُولٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {لاَ يَنْبَغِي لِذِي الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَكُونَ وَجِيهًا عِنْد اللَّهِ تَعَالَى}. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عُرْوَةَ: لاَنْ يَكُونَ لِي نِصْفُ وَجْهٍ وَنِصْفُ لِسَانٍ عَلَى مَا فِيهِمَا مِنْ قُبْحِ الْمَنْظَرِ وَعَجْزِ الْمَخْبَرِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ ذَا وَجْهَيْنِ وَذَا لِسَانَيْنِ وَذَا قَوْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: 
خَــلِّ النِّفَـــاقَ لِأَهْلِــــــهِ       وَعَلَيْك فَالْتَمِسْ الطَّرِيقَا
وَارْغَبْ بِنَفْسِك أَنْ تُرَى       الا عَــــــدُوًّا أَوْ صَدِيقَا
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ:
وَكَمْ مِـــــنْ صَدِيــقٍ وُدُّهُ بِلِسَانِـــهِ       خَئُــونٌ بِظَهْــرِ الْــغَيْبِ لاَ يَتَذَمَّمُ
يُضَاحِكُنِي  عَجَبًــا إذَا مَـــا لَقِيتُــهُ       وَيَصْـــدُفُنِي مِنْهُ إذَا غِبْتُ أَسْهُــمُ
كَذَلِكَ ذُو الْوَجْهَيْنِ يُرْضِيك شَاهِدًا       وَفِي غَيْبِهِ إنْ غَابَ صَابٌ وَعَلْقَمُ
وَرُبَّمَا تَغَيَّرَ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالْوَطَاءُ إلَى الشَّرَاسَةِ وَالْبَذَاءِ لِأَسْبَابٍ عَارِضَةٍ، وَأُمُورٍ طَارِئَةٍ، تَجْعَلُ اللِّينَ خُشُونَةً وَالْوَطَاءَ غِلْظَةً وَالطَّلاَقَةَ عُبُوسًا.
فَمِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ الْوِلاَيَةُ الَّتِي تُحْدِثُ فِي الاخْلاَقِ تَغَيُّرًا، وَعَلَى الْخُلَطَاءِ تَنَكُّرًا، إمَّا مِنْ لُؤْمِ طَبْعٍ، وَإِمَّا مِنْ ضِيقِ صَدْرٍ. وَقَدْ قِيلَ: مَنْ تَاهَ فِي وِلاَيَتِهِ ذَلَّ فِي عَزْلِهِ. وَقِيلَ: ذُلُّ الْعَزْلِ يُضْحِكُ مِنْ تِيهِ الْوِلاَيَةِ.
وَمِنْهَا: الْعَزْلُ فَقَدْ يَسُوءُ بِهِ الْخُلُقُ وَيَضِيقُ بِهِ الصَّدْرُ إمَّا لِشِدَّةِ أَسَفٍ أَوْ لِقِلَّةِ صَبْرٍ.
حَكَى حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ عُزِلَ عَنْ وِلاَيَةٍ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إنِّي وَجَدْتهَا حُلْوَةَ الرَّضَاعِ مَرَّةَ الْفِطَامِ.
وَمِنْهَا: الْغِنَى فَقَدْ تَتَغَيَّرُ بِهِ أَخْلاَقُ اللَّئِيمِ بَطَرًا، وَتَسُوءُ طَرَائِقُهُ أَشَرًا. وَقَدْ قِيلَ: مَنْ نَالَ اسْتَطَالَ. وَأَنْشَدَ الرِّيَاشِيُّ:
غَضْبَانُ يَعْلَــمُ أَنَّ الْمَــالَ سَاقٍ لَهُ       مَا لَمْ يَسْقِــهِ لَهُ دِيـنٌ وَلاَ خُلُـــقُ
فَمَنْ يَكُنْ عَنْ كِرَامِ النَّاسِ يَسْأَلُنِي       فَأَكْرَمُ النَّاسِ مَنْ كَانَتْ لَهُ وَرِقُ
وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
فَإِنْ تَكُنْ الدُّنْيَــا أَنَالَتْك ثَــرْوَةً       فَأَصْبَحْت ذَا يُسْرٍ وَقَدْ كُنْت ذَا عُسْـرِ
لَقَدْ كَشَفَ الاثْرَاءُ مِنْك خَلاَئِقًا       مِنْ اللُّؤْمِ كَـانَتْ تَحْتَ ثَوْبٍ مِنْ الْفَقْرِ
وَبِحَسَبِ مَا أَفْسَدَهُ الْغِنَى كَذَلِكَ يُصْلِحُهُ الْفَقْرُ.
وَكَتَبَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ إلَى الْحَجَّاجِ أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ قَدْ الْتَاثُوا عَلَيْهِ فَكَتَبَ إلَيْهِ أَنْ اقْطَعْ عَنْهُمْ  الارْزَاقَ، فَفَعَلَ فَسَاءَتْ حَالُهُمْ فَاجْتَمَعُوا إلَيْهِ فَقَالُوا: أَقِلْنَا. فَكَتَبَ إلَى الْحَجَّاجِ فِيهِمْ فَكَتَبَ إلَيْهِ: إنْ كُنْت آنَسْتَ مِنْهُمْ رُشْدًا فَأَجْرِ عَلَيْهِمْ مَا كُنْتَ تُجْرِي.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَقْرَ جُنْدُ اللَّهِ الاكْبَرَ يُذِلُّ بِهِ كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ يَتَكَبَّرُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ {لَوْلاَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَذَلَّ ابْنَ آدَمَ بِثَلاَثٍ مَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ لِشَيْءٍ: الْفَقْرُ، وَالْمَرَضُ، وَالْمَوْتُ}.
وَمِنْهَا: الْفَقْرُ فَقَدْ يَتَغَيَّرُ بِهِ الْخُلُقُ إمَّا أَنَفَةً مِنْ ذُلِّ الاسْتِكَانَةِ أَوْ أَسَفًا عَلَى فَائِتِ الْغِنَى. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، وَكَادَ الْحَسَدُ أَنْ يَغْلِبَ الْقَدَرَ}. وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ:
وَأَعْجَبُ حَالاتِ ابْنِ آدَمَ خَلْقُهُ       يَضِلُّ إذَا فَكَّرْتَ فِي كُنْهِـهِ الْفِكْرُ
فَيَفْرَحُ بِالشَّيْءِ الْقَلِيلِ بَقَــــاؤُهُ       وَيَجْزَعُ مِمَّا صَارَ وَهُوَ لَهُ ذُخْرُ
وَرُبَّمَا تَسَلَّى مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ بِالامَانِي، وَإِنْ قَلَّ صِدْقُهَا. فَقَدْ قِيلَ: قَلَّمَا تَصْدُقُ الامْنِيَّةُ وَلَكِنْ قَدْ يُعْتَاضُ بِهَا سَلْوَةً مِنْ هَمٍّ أَوْ مَسَرَّةٍ بِرَجَاءٍ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ:
حَرِّكْ مُنَاك إذَا اغْتَمـ       ـَمْت فَإِنَّهُنَّ مَرَاوِحُ
وَقَالَ آخَرُ:
إذَا تَمَنَّيْت بِتَّ اللَّيْلَ مُغْتَبِطًا       إنَّ الْمُنَى رَأْسُ أَمْوَالِ الْمَفَالِيسِ
وَمِنْهَا الْهُمُومُ الَّتِي تُذْهِلُ اللُّبَّ، وَتَشْغَلُ الْقَلْبَ، فَلاَ تَتْبَعُ الاحْتِمَالَ وَلاَ تَقْوَى عَلَى صَبْرٍ.
وَقَدْ قِيلَ: الْهَمُّ كَالسُّمِّ. وَقَالَ بَعْضُ الادَبَاءِ: الْحُزْنُ كَالدَّاءِ الْمَخْزُونِ فِي فُؤَادِ الْمَحْزُونِ.
وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
هُمُومُـــك بِالْعَيْشِ مَقْرُونَـــةٌ       فَمَــا تَقْطَعُ الْعَيْشَ الا بِهِــمْ
إذَا تَمَّ أَمْــــرٌ بَـــدَا نَقْصُـــــهُ       تَــرَقَّبْ زَوَالا إذَا قِيـــلَ تَمْ
إذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَـــــا       فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ تُزِيلُ  النِّعَمْ
وَحَـــامِ عَلَيْهَا بِشُكْـرِ الالَـــهِ       فَـإِنَّ الالَهَ  سَــرِيعُ النِّقَـــمْ
حَــلاَوَةُ دُنْيَــاك  مَسْمُومَــــةٌ       فَمَــا تَأْكُلُ الشَّهْـدَ الا بِسُـمْ
فَكَمْ قَــدَرٌ دَبَّ فِي مُهْلَــــــــةٍ       فَلَمْ يَعْلَمْ النَّاسُ حَتَّى هَجَــمْ
وَمِنْهَا الامْرَاضُ الَّتِي يَتَغَيَّرُ بِهَا الطَّبْعُ مَا يَتَغَيَّرُ بِهَا الْجِسْمُ، فَلاَ تَبْقَى الاخْلاَقُ عَلَى اعْتِدَالٍ وَلاَ يُقْدَرُ مَعَهَا عَلَى احْتِمَالٍ. وَقَدْ قَالَ الْمُتَنَبِّي:
آلَةُ الْعَيْشِ صِحَّــةٌ وَشَبَابُ       فَإِذَا وَلَّيَـــا عَــنْ الْمَــرْءِ وَلَّـى
وَإِذَا الشَّيْخُ قَالَ أُفٍّ فَمَا مَلَّ       حَيَــاةً وَإِنَّمَــا الضَّعْفَ مَـــــلاَ
وَإِذَا لَمْ تَجِدْ مِنْ النَّاسِ كُفُئًا       ذَاتَ خِدْرٍ أَرَادَتْ الْمَوْتَ بَعْلاَ
أَبَدًا تَسْتَرِدُّ مَا تَهَبُ الدُّنْــــ       ـيَا فَيَا لَيْتَ جُــودَهَا كَانَ بُخْلاَ
وَمِنْهَا عُلُوُّ السِّنِّ وَحُدُوثُ الْهَرَمِ لِتَأْثِيرِهِ فِي آلَةِ الْجَسَدِ كَذَلِكَ يَكُونُ تَأْثِيرُهُ فِي أَخْلاَقِ النَّفْسِ، فَكَمَا يَضْعُفُ الْجَسَدُ عَنْ احْتِمَالِ مَا كَانَ يُطِيقُهُ مِنْ أَثْقَالٍ فَكَذَلِكَ تَعْجِزُ النَّفْسُ عَنْ أَثْقَالِ مَا كَانَتْ تَصْبِرُ عَلَيْهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْوِفَاقِ، وَمَضِيقِ الشِّقَاقِ. وَكَذَلِكَ مَا ضَاهَاهُ. وَقَالَ مَنْصُورٌ النَّمَرِيُّ:
مَا كُنْتُ أُوفِي شَبَـــابِي كُنْـــــهَ عِـــزَّتِهِ       حَتَّى مَضَى فَـــإِذَا الدُّنْيَا لَــهُ تَبَعُ
أَصْبَحْتُ لَـــمْ تُطْعِمِي ثُكْلَ الشَّبَابِ وَلَـمْ       تَشْــجَيْ لِغُصَّتِهِ فَالْــعُذْرُ لاَ يَقَــعُ
مَا كَــانَ أَقْصَــرَ أَيَّــامِ الشَّبَــابِ وَمَـــا       أَبْقَــى حَــلاَوَةَ ذِكْــرَاهُ الَّتِي تَدَعُ
مَا وَاجَهَ الشَّيْبُ مِـــنْ عَيْنٍ وَإِنْ رَمَقَتْ       الا لَــهَا نَبْــوَةٌ عَنْــهُ وَمُرْتَــــدَعُ
قَدْ كِدْت تَقْضِي عَلَى فَوْتِ الشَّبَابِ أَسًى       لَوْلاَ يُعَزِّيك أَنَّ الْعُمْــرَ مُنْقَطِـــعُ
فَهَذِهِ سَبْعَةُ أَسْبَابٍ أَحْدَثَتْ سُوءَ خُلُقٍ كَانَ عَامًّا. وَهَا هُنَا سَبَبٌ خَاصٌّ يُحْدِثُ سُوءَ خُلُقٍ خَاصٍّ وَهُوَ الْبُغْضُ الَّذِي تَنْفِرُ مِنْهُ النَّفْسُ فَتُحْدِثُ نُفُورًا عَلَى الْمُبْغَضِ، فَيَؤُولُ إلَى سُوءِ خُلُقٍ يَخُصُّهُ دُونَ غَيْرِهِ. فَإِذَا كَانَ سُوءُ الْخُلُقِ حَادِثًا بِسَبَبٍ كَانَ زَوَالُهُ مَقْرُونًا بِزَوَالِ ذَلِكَ السَّبَبِ، ثُمَّ بِالضِّدِّ.