‏إظهار الرسائل ذات التسميات سير وتراجم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سير وتراجم. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، أكتوبر 18، 2011

الشيخ أحمد الرفاعي

ترجمته

هو السيد الشريف مرشد الإسلام صاحبُ مَنْقَبَةِ تقبيل يدِ الرسول الأمين، سيدنا أبو العباس الشيخ أحمد الرفاعي الكبير رضي الله عنه ابن السيد السلطان علي أبي الحسن دفين بغداد ابن السيد يحيى المغربي ابن السيد الثابت ابن السيد الحازم ابن السيد أحمد ابن السيد علي ابن السيد أبي المكارم رفاعة الحسن المكي ابن السيد المهدي ابن السيد محمد أبي القاسم ابن السيد الحسن ابن السيد الحسين أحمد ابن السيد موسى الثاني ابن الإمام إبراهيم المرتضى ابن الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام زين العابدين علي ابن الإمام الشهيد المظلوم الحسين السبط ابن الإمام عَلَم الإسلام زوج البتول أم الحسنين عليها السلام سيدنا علي كرم الله وجهه ورضي عنه.

وقد ثبتت نسبته من جهة أمه أيضًا إلى سيدنا الحسين ابن السيدة فاطمة الزهراء بنت الرسول صلى الله عليه وسلم ويتصل نسبه بأمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي الله عنه من جهة جده الإمام جعفر الصادق لأن أم الإمام جعفر الصادق هي فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

ولد رضي الله عنه سنة خمسمائة واثني عشرة للهجرة في العراق في البطائح، والبطائح عدة قرى مجتمعة في وسط الماء بين واسط والبصرة، وفي السابعة من عمره توفي أبوه في بغداد، فكفله خاله الشيخ الزاهد القدوة منصور البطائحي وقد رباه تربية دينية وأحسن تربيته.

والإمام الرفاعي مؤسس الطريقة الرفاعية، وهذه إحدى الطرق التي أحدثها أكابر الأولياء كالجيلاني والنقشبندي وغيرهم رضوان الله عليهم، وهي من البدع الحسنة وإن شذ بعض المنتسبين إليها فهذا لا يقدح في الأصل.

الثلاثاء، يناير 18، 2011

الإمام مالك بن أنس - إمام دار الهجرة

ترجمته
هو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر أنس بن الحارث بن غيمان الأصبحي المدني وينتهي نسبه إلى يعرب بن يشجب بن قحطان. جده مالك بن أنس من كبار التابعين وأحد الذين حملوا الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه ليلا إلى قبره كما ذكر ذلك القشيري، ووالد جده هو الصحابي أبو مالك الذي شهد المغازي كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خلا بدرًا، وأما والدة الإمام مالك رضي الله عنه فهي العالية بنت شريك بن عبد الرحمـٰن الأسدية، وأبناؤه هم: يحيى ومحمد وحماد. والإمام مالك هو أحد أصحاب المذاهب الأربعة المدونة المعروفة والمشهورة في بلاد المسلمين.
ولد في المدينة المنورة سنة خمس وتسعين للهجرة نشأ مُجدًا في التحصيل والرواية وقد أخذ العلم وروى عن عدد كبير من التابعين وتابعيهم الذين يعدون بالمئات نذكر منهم: نافع مولى ابن عمر، وابن شهاب الزهري، وأبا الزناد وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص، ويحيى بن سعيد الأنصاري.
ولقد كان رحمه الله إمام دار الهجرة، فانتشر علمه في الأمصار واشتهر في سائر الأقطار وضربت إليه أكباد الإبل وارتحل الناس إليه من شتى الأنحاء، فكان يدرّس وهو ابن سبع عشرة سنة، فمكث يُفتي ويعلم الناس، حتى إن كثيرًا من مشايخه رووا عنـه كمحمد بن شهاب الزهري، وربيعة بن أبي عبد الرحمـٰن فقيه أهل المدينة، ويحيى ابن سعيد الأنصاري، وموسى بن عقبة وروى عنه كثير من الرواة حتى إن القاضي عياضًا ألف كتابًا عدَّ فيه ألفًا وثلاثمائة اسم ممن روى عن الإمام رضي الله عنه، أشهرهم سفيان الثوري والإمام المجتهد محمد بن إدريس الشافعي وعبد الله بن المبارك.

مناقبه
كثير من علماء التابعين قالوا إن الإمام مالكًا رضي الله عنه هو الذي بشَّر به النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل فلا يجدون أعلم من عالم المدينة».
ولقد كان الإمام مالك بن أنس معظمًا للعلم حتى إنه إذا أراد أن يحدث توضأ وصلى ركعتين وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته واستعمل الطيب وتمكن في الجلوس على وقار وهيبة ثم حدث، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحدث به إلا متمكنًا على طهارة.
وكان الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه معظمًا للنبي صلى الله عليه وسلم موقرًا له، فقد قال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يومًا في ذلك فقال: «لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم عليَّ ما ترون ولقد كنت أرى محمد بن المنكدر وكان سيد القراء لا نكاد نسأله عن حديث أبدًا إلا يبكي حتى نرحمه ولقد كنت أرى جعفر بن محمد كان كثير الدعابة والتبسم فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفر وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة، ولقد اختلفت إليه زمانًا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليًا وإما صامتًا وإما يقرأ القرءان، ولا يتكلم فيما لا يعنيه وكان مِن العلماء والعباد الذين يخشون الله عز وجل.
يروى من أن الخليفة هارون الرشيد قدم إلى المدينة المنورة وكان قد بلغه أن الإمام مالكًا يقرأ الموطأ على الناس، فأرسل إليه البرمكي وقال له: اقرأ عليه السلام وقل له يحمل إليَّ الكتاب فيقرأه عليَّ، فأتاه البرمكي فأخبره فقال الإمام رضي الله عنه: اقرأ على أمير المؤمنين السلام وقل له إن العلم يُزَار ولا يزور، وإن العلم يؤتى ولا يأتي، فقصد الرشيد منزل الإمام واستند إلى الجدار فقال له الإمام مالك: يا أمير المؤمنين، من إجلال رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلال العلم.
ولم يكن هذا الفعل من الإمام تكبرًا على الخليفة، بل كان ذلك لمصلحة شرعية هي بيان فضل العلم والعلماء وتعليم الناس سواء كانوا حكامًا أو محكومين أن يُجلّوا العلم ويوقروه ويكون له في نفوسهم رهبة وهيبة، وإلا فالإمام مالك رضي الله عنه كان من أشد أهل عصره تواضعًا ولينًا.
وكان الناس إذا أتوا الإمام مالكًا خرجت إليهم جارية له فتقول لهم: يقول لكم الشيخ تريدون الحديث أو المسائل فإن قالوا المسائل خرج إليهم، وإن قالوا الحديث دخل مغتسله واغتسل وتطيب ولبس ثيابًا جددًا ولبس ساجه وتعمم ووضع رداءه وتلقى له منصة فيخرج فيجلس عليها وعليه الخشوع ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رحمه الله لا يجلس على تلك المنصة إلا إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل في ذلك لمالك فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحدث به إلا على طهارة متمكنًا.
قال الدراوردي رحمه الله: رأيت في المنام أني دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت النبي عليه الصلاة والسلام يعظ الناس إذ دخل عليه مالك فلما رءاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إليَّ إلي» فأقبل حتى دنا منه فنزع النبي صلى الله عليه وسلم خاتمه من أصبعه فوضعه في خنصر مالك رضي الله عنه فأولته بالعلم وكان العلماء يقتدون بعلمه والأمراء يستضيئون برأيه، والعامة منقادين إلى قوله، فكان يأمر فيمتثل بأمره بغير سلطان. ولقد قال الإمام ابن حبان في «الثقات»: كان مالك أول من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة، وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث ، ولم يروِ إلا ما صح ولا يحدث إلا عن ثقة مع الفقه والدين والفضل والنسك.
ثم إن أقوال الكثيرين من علماء عصره جعلنا نتبين مدى حرصه على دين الله فقد قال الإمام الشافعي عنه: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وقال ابن معين: مالك من حُجج الله على خلقه، وقال يحيى بن سعيد القطان: مالك أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن سعيد: كان مالك ثقة مأمونًا ثبتًا ورعًا فقيهًا عالمًا حجة.

عقيدته
كان الإمام رضي الله عنه مقتديًا بالسنة المطهرة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وأهل بيته، وكان مولده بالمدينة المنورة وتفقهه على علمائها سببًا في اطلاعه بالسنة النبوية المطهرة وأحوال أهل مهاجر النبي صلى الله عليه وسلم فكان على عقيدة التنزيه لله عن مشابهة الخلق وعن المكان وعن الهيئة والصورة والحركة والانتقال والتغير.
وثبت أن مالكًا أول الأحاديث المتشابهة التي يوهم ظاهرها التجسيم والحركة والانتقال والسكون، ففي تأويل مالك لهذه الأحاديث نقل البيهقي بإسناده عن الأوزاعي ومالك وسفيان والليث بن سعد أنهم سئلوا عن هذه الأحاديث فقالوا: «أمروها كما جاءت بلا كيفية» ذكره في كتابه الأسماء والصفات، وثبت عنه ما رواه البيهقي بإسناد جيد من طريق عبد الله بن وهب قال: كنا عند مالك فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله، الرحمـٰن على العرش استوى كيف استوى؟ فأطرق مالك فأخذته الرحضاء (أي كثرة العرق) ثم رفع رأسه فقال: الرحمـٰن على العرش استوى كما وصف نفسه ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع وما أراك إلا صاحب بدعة، أخرجوه فقول مالك: وكيف عنه مرفوع أي ليس استواؤه على عرشه كيفًا أي هيئة كاستواء المخلوقين من جلوس ونحوه. وروى البيهقي من طريق يحيى بن يحيى أحد تلاميذ مالك رواية أخرى عن الإمام مالك وهي قوله: «الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول»، أي أن الاستواء معلوم وروده في القرءان، والكيف غير معقول أي أن الاستواء بمعنى الكيف أي الهيئة كالجلوس لا يعقل أي لا يقبله العقل لكونه من صفات الخلق لأن الجلوس لا يصح إلا من ذي أعضاء أي ألية وركبة وتعالى الله عن ذلك.
وأما رواية «والكيف مجهول» فهي غير صحيحة لم تصح عن أحد من السلف ولم تثبت عن مالك ولا غيره من الأئمة رواية.
وثبت عن مالك التأويل في حديث النزول أنه قال: «نزول رحمة لا نزول نقلة»، وروي عنه كذلك في تأويل هذا الحديث: «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول هل من داع فأستجيب له» أي حديث النزول، أنه على سبيل الاستعارة ومعناه الإقبال على الداعي بالإجابة واللطف والرحمة وقبول المعذرة، ليس على معنى الانتقال الحسي من مكان إلى ءاخر.

الموطأ
هو أول كتاب وُضعت فيه الأحاديث مصنفة ومبوبة، ومعناه الممهد كما أنه أول كتاب أُلّف في الحديث والفقه معًا، واستغرق تأليفه أربعين سنة. وقد اشتمل على الكثير من الأسانيد التي حكم المحدثون بأنها أصح الأحاديث.
فقد قال الشافعي في الموطأ: ما ظهر كتاب على الأرض بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك، وفي عصره قيل فيه :« أيفتى ومالك في المدينة».

علمه
سئل مالك رحمه الله عن طلب العلم فقال: «حسن جميل ولكن انظر إلى الذي يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي فالزمه». وكان رحمه الله في تعظيم علم الدين على درجة عالية، حتى إذا أراد أن يحدّث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرّح لحيته واستعمل الطيب وتمكن من الجلوس على وقار وهيبة ثم حدّث، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظِـّم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإرادته وجه الله تعالى بالعلم، فقد جاء عن مالك رضي الله عنه أنه سئل ثمانية وأربعين سؤالًا فأجاب عن ستة وقال عن البقية لا أدري.
 
زهده
أما زهده في الدنيا فكبير، فقد روي أنّ الرشيد سأله: هل لك دار فقال: لا، فأعطاه ثلاثة ءالاف دينار وقال: اشتر بها دارًا، فأخذها ولم ينفقها، عندها قال الرشيد لمالك رحمه الله: ينبغي أن تخرج معنا فإني عزمت على أن أحمل الناس على الموطأ. فقال له: أما حمل الناس على الموطأ فليس إليه سبيل، لأنّ أصحاب الرسول افترقوا في الأمصار فحدثوا، فعند أهل كل مصر علم، وأما الخروج معك فلا سبيل إليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» متفق عليه. وقال عليه الصلاة والسلام: «المدينة تنفي خَبَثَها كما ينفي الكير خبث الحديد» متفق عليه. وهذه دنانيركم كما هي إن شئتم فخذوها وإن شئتم فدعوها. يعني أنك إنما تكلفني مفارقة المدينة لما اصطنعته إليَّ، فلا أوثر الدنيا على مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام.
لقد كان الإمام مالك زاهدًا في أمر الدنيا، وقد أفلح الزاهدون، ولما حُملت إليه الأموال الكثيرة من أطراف الدنيا لانتشار علمه وأصحابه، كان يفرقها في وجوه الخير. ودلّ على زهده سخاؤه وقلة حبه للدنيا، وليس الزهد فقد المال، وإنما الزهد فراغ القلب عنه، ومما يدل على استحقاره للدنيا ما روي عنه أنه قال: «دخلت على هارون الرشيد فقال لي: يا أبا عبد الله ينبغي أن تختلف إلينا حتى يسمع صبياننا منك الموطأ، قال: فقلت: أعزّ الله مولانا الأمير، إنَّ هذا العلم منكم خرج، والعلم يؤتى ولا يأتي. فقال: صدقت، اخرجوا إلى المسجد حتى تسمعوا مع الناس.

وفاته
كانت وفاته في المدينة المنورة لعشر خلون من ربيع الأول سنة مائة وتسعة وسبعين للهجرة، ودفن في البقيع بجوار إبراهيم ولد النبي صلى الله عليه وسلم ورثاه العديد من الشعراء منهم جعفربن أحمد السراج بقوله:
سقى جَدَثًا ضمَّ البقيــعُ لمــالك      من المزن مرعاد السحائب مبراقُ
إمــام مـوطــاه الـــذي طبقـــت     به أقاليم في الدنيا فساح وءافـــاقُ
أقـــام بـه شـرع النبي محمــــد      لـه حـذر مــن أن يضـام وإشفـاقُ
له سنـد عــال صحيح وهيبـــة      فللكـل منـه حـين يرويـه إطــراقُ
وأصحاب صدق كلهم علم فسل      بـهم إنهـم إن أنت سـاءلت حــذاق
ولــو لــم يكـن إلا ابـن إدريــس      وحده كفـاه ألا إن السعـادة أرزاق

رحم الله الإمام مالك بن أنس ونفعنا بعلمه.


الثلاثاء، يناير 11، 2011

إبن جرير الطبري: المؤرخ المجتهد صاحب المصنَّفات


ترجمته
هو الإمام الجليل المجتهد المطلق أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب، ولد في طبرستان سنة مائتين وأربع وعشرين للهجرة، وقيل مائتين وخمس وعشرين. وقد تحدث عن أمره في حداثة سنه فقال: «حفظت القرءان ولي سبع سنين، وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين، وكتبت الحديث وأنا ابن تسع».

وكان أبوه ورعًا تقيًا متصوفًا ذا يسار، فما إن أحسَّ من ابنه رجاحة في عقله ونزوعًا إلى العلم، حتى دفعه إلى الرحلة في سبيل طلب العلم، فكان أول ما رحل إلى الريِّ وما جاورها من البلاد، فأخذ عن شيوخها وأكثَرَ، ودرس الفقه في العراق على أبي مقاتل، وكتب عن أحمد بن حماد الدولابي كتاب «المبتدأ» وأخذ مغازي ابن إسحـٰـق عن سلمة بن الفضل وعليه بنى تاريخه فيما بعد.

ثم رحل إلى الكوفة فكتب فيها الحديث عن هنّاد بن السَّري وإسمـٰعيل بن موسى، وأخذ عن سليمان بن خلاد الطلحي القراءات. ولقي في الكوفة أبا كريب محمد بن العلاء الهمداني الذي كان عالم عصره، فسمع منه أكثر من مائة ألف حديث.

ومن الكوفة ارتحل إلى بغداد حيث انقطع إلى أحمد بن يوسف التغلبي المقرئ، ثم انكب على الفقه الشافعي فدرسه واتخذه مذهبًا وأفتى به سنوات.

وفي طريقه إلى مصر عرج على الشام فالتقى في بيروت العباس بن الوليد البيروتي المقرئ، فختم عليه القرءان برواية الشاميين، وتابع سيره إلى الفسطاط حتى بلغها سنة مائتين وثلاث وخمسين للهجرة. وطالت أيامه في مصر سنوات عَرَّج خلالها على الشام وأخذ من فقه الشافعي من الربيع والمزني وأبناء عبد الحكم، ومن فقه مالك عن تلاميذ ابن وهب.

وبعد فترة طويلة قضاها في مصر عاوده الحنين إلى بغداد فعاد إليها بعد رحلة طويلة وعزم على أن ينقطع للدرس والتأليف وبنى لنفسه دارًا وزَّع نفسه فيها بين العبادة والقراءة والتدريس والتأليف.

مناقبه

اشتُهِرَ عند كثير من العلماء والمؤرخين غزارة علم الإمام المجتهد محمد بن جرير الطبري وكثرة مؤلفاته، فقد كان واحدًا من أولئك الأفذاذ الذين سالت أقلامهم فخطَّت من المصنفات في العلوم المختلفة ما يدعو إلى العجب، فقد أورد التاج السبكي في طبقاته بمعرض ترجمته للإمـام الطبري عن علي بن عبد الله السمساني أن الإمام بقي أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة. وذكر الفرغاني في كتابه «صلة التاريخ» أن بعض تلامذة الإمام الطبري حسبوا له عدد الصحائف التي خَطَّها بيده، ثم قسموها على عدد أيامه منذ أن بلغ الحُلُم إلى أن مات، فكان نصيب كل يوم من أيامه أربع عشرة ورقة.

يروي ابن سُرَيج في جملة ما يثبت غزارة تصانيف الإمام الطبري، أنه مرة قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرءان (أي لاستملائه)، فقالوا: كم يكون قدره قال: ثلاثون ألف ورقة فقالوا: هذا مما يُفني الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة ألاف ورقة، ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من أدم إلى وقتنا قالوا: كم قدره فذكر نحوًا مما ذكره في التفسير، فأجابوا بمثل ذلك، فقال: إنا لله، ماتت الهمم، فاختصَرَه في نحو ما اختصر التفسير.

والكتابان هما: «جامع البيان عن تأويل أي القرءان»، و«تاريخ الأمم والملوك» المعروف بتاريخ الطبري.

ومما ذكره التاج السبكي في طبقاته أنه قرأ على محمد بن إسمـٰعيل بن الخباز قصة مُفادها أن رحلة جمعت بين محمد بن جرير الطبري ومحمد بن اسحـٰق بن خزيمة ومحمد ابن نصر المروزي ومحمد بن هارون الروياني في بيت بمصر كانوا يأوون إليه ولم يكن عندهم ما يقوتهم وأثَّر فيهم الجوع، فاتفقوا على أن يقوم واحد منهم فيسأل لأصحابه الطعام، فكانت القرعة على ابن خزيمة. وبينما هو يصلي صلاة الخيرة إذا برجل من قبل والي مصر يقرع الباب ويدخل عليهم ويسأل: أيكم محمد بن نصر، فقيل هو ذا، فأخرج صرة فيها خمسون دينارًا فدفعها إليه، ثم قال: أيكم محمد بن جرير، فقالوا: هو ذا، فأخرج صرة فيها ما في الأولى فدفعها إليه، وفعل بالباقين كذلك وقال: إن الأمير كان نائمًا بالأمس فرأى في المنام خيالًا قال له: إن المحامِدَ جياع عندك فأنفِذْ إليهم هذه الصرار، وإن الأمير يُقْسِمُ عليكم إذا نَفدَت أن تبعثوا إليه.

ثناء العلماء عليه

من هؤلاء العلماء الذين عرفوا قدره ومنزلته من العلم التاج السبكي صاحب الطبقات الذي قال فيه: «الإمام الجليل المجتهد المطلق أبو جعفر الطبري من أهل طبرستان، أحد أئمة الدنيا علمًا ودينًا».

وقال فيه الخطيب: «كان ابن جرير أحد الأئمة يُحْكَمُ بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله. جَمَعَ من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظًا لكتاب الله، بصيرًا بالمعاني فقيهًا في أحكام القرءان، عالمًا بالسنن وطرقها صحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المخالفين في الأحكام ومسائل الحلال والحرام، عارفًا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله».

وفي كتاب «غاية النهاية في طبقات القراء» يورد ابن الجزري عن أبي حامد الاسفراييني إمام الشافعية في عصره أنه قال: «لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل تفسير ابن جرير لم يكن كثيرًا». وقال فيه الداني أبياتًا من الشعر:

محمد بن جريـر       إمام أهل زمانـه
وكل جاهل عِلـمٍ       فعـارف بمكانـه
وكُتْبُهُ قد أبانـت       عن علمه وبيانه
عفا المهيمن عنه       وزاد في إحسانه

مصنفاته

تنوعت تصانيفه الكثيرة في العلوم المختلفة من تفسير وحديث وفقه وغيره، واتسمت بالغزارة والقوة والإحاطة. ومن أشهر هذه المصنفات:

آداب المناسك، آداب النفوس، اختلاف علماء الأمصار في أحكام شرائع الإسلام، تاريخ الأمم والملوك المشهور بتاريخ الطبري، جامع البيان عن تأويل أي القرءان، الجامع في القراءات، الخفيف في الفقه، الرد على الحرقوصية، صريح السُنَّة، وهو رسالة ذكر فيها مذهبه، طرق الحديث، كتاب العدد والتنزيل، كتاب الفضائل، مختصر الفرائض، كتاب المسترشد، السند المجرد، كتاب الوقف، هذا بالإضافة إلى بعض المؤلفات التي بدأ تأليفها وحال موته دون إتمامها.

وفاته

توفي في بغداد برحبة يعقوب يوم السبت ليومين بقيا من شوال سنة ثلاثمائة وعشرٍ للهجرة، ودفن يوم الأحد في داره. وقد قال الخطيب في تاريخ بغداد: «واجتمع على جنازته من لا يحصي عددهم إلا الله، وصُلِّيَ على قبره عدة شهور ليلًا ونهارًا، ورثاه خلق كثير من أهل الدين والأدب» ومن ذلك قول ابن الأعرابي فيه:

حـدث مفظع وخطــب جليـل       دق عن مثله اصطبار الصبور
قـام ناعي العلـوم أجمع لمــا       قـام نـاعي محمد بـــن جريـــر

وقال فيه ابن دريد:

إن المنية لم تتلف به رجــــلاً       بل أتلفت عَلَمًا للدين منصوبا
كان الزمان به تصفو مشاربه       والآن أصبح بالتكدير مقطوبا
كلا وأيامه الغـــر التي جعلـت       للعلم نورًا وللتقـوى محاريبـا

جزى الله الإمام محمد بن جرير الطبري عن أمة محمد خيرًا.


الخميس، ديسمبر 30، 2010

الإمام البخاري: شيخ المُحَدِثِين وإمام المُصَنّفين في الحديث

ترجمته
هو أبو عبد الله محمد بن إسمـٰعيل بن إبراهيم بن بَرْدِزْبَه، الجُعفي البخاري، ولد في مدينة بخارى يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة مائة وأربع وتسعين للهجرة، ونشأ يتيمًا في حجر أمه. وقد ذهبت عيناه في صغره، فرأت والدته الخليل إبراهيم عليه السلام في المنام، فقال لها: لقد رد الله على ابنك بصره لكثرة بكائك.
أَحَبَّ العلم منذ صغره، فحفظ تصانيف ابن المبارك وهو صبي، وقرأ الكُتُب المشهورة وهو ابن ست عشرة سنة، حتى قيل إنه كان يحفظ وهو صبي سبعين ألف حديث سردًا.  وقد أعانه على ذلك أنه كان يقرأ تراجم الرواة ويستوفي أخبارهم ويتتبع أحوالهم ويعرف شيوخهم وتلاميذهم وطرق أسانيدهم.
وقبل أن يغادر بلده سمع جميع مروياتها من محمد بن سلام البيكندي وعبد الله بن محمد المسندي وإبراهيم بن الأشعث، ومحمد بن يوسف البيكندي وغيرهم، ثم قصد مكة مع أمه وأخيه راغبًا في التلقي والرواية، فبقي في الحجاز ستة أعوام يتلقى فيها الحديث، وتنقل في البلاد فدخل الشام ومصر والجزيرة مرتين، والبصرة أربع مرات، والكوفة وبغداد مرات عديدة، فتلقى الحديث من محدثي كل بلد دخل إليه، حتى بلغ عدد الرجال الذين روى عنهم ألفًا وثمانين رجلاً كلهم مُحَدّثون.
مناقبه
أورد الإمام التاج السبكي في طبقاته في معرض ترجمة إمام المُحَدثين أبي عبد الله البخاري، عن ابن عدي أنه قال: «سمعتُ عدة مشايخ يحكون أن البخاري قدم بغداد فاجتمع أصحاب الحديث فعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها بحيث جعلوا متن هذا لإسناد هذا، وإسناد هذا لمتن هذا، ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث ليلقوها على البخاري في المجلس، فاجتمع الناس وانتدب أحدهم فقام وسأله عن حديث من تلك العشرة، فقال: لا  أعرفه، فسأله عن ءاخر فقال: لا أعرفه، حتى فرغ من العشرة، فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعض، ثم انتدب ءاخر ففعل كفعل الأول والبخاري يقول: لا أعرفه، فلما فرغ الرجال العشرة التفت إلى الأول فقال: أمّا حديثك الأول فإسناده كذا وكذا،  والثاني كذا وكذا، والثالث... إلى أخر العشرة، فرد كل متن إلى إسناده، وفعل بالثاني في مثل ذلك إلى أن فرغ، فأقر له الناس بالحفظ».
كان البخاري منذ صغره شديد الحافظة بحيث يحفظ  الأحاديث وأسانيدها سماعًا، حَفظَ تصانيف ابن المبارك وقرأ الكُتُبَ المشهورة وهو ابن ست عشرة سنة وإنما عُرفت عنه هذه الحافظة العجيبة منذ صغره، فمما يرويه السبكي في طبقاته عنه أنه قال: «أُلْهِمتُ حفظ الحديث في الكتّاب ولي عشر سنين أو أقل. وخرجت من الكُتَّاب بعد العشر فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره، فقال يومًا فيما يقرأ على الناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، فقلت له: إن أبا الزبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل، فدخل ثم خرج فقال لي: كيف يا غلام قلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم مني وأصلحه وقال:  «صدقت» ولما سئل البخاري عن سنِّه ءانذاك قال: «كنت ابن إحدى عشرة سنة».
ومما يروى عن محمد بن أبي حاتم وَرَّاق البخاري أنه قال: «سمعت حامد بن إسمـٰعيل وءاخر يقولان: كان البخاري يختلف معنا إلى السماع وهو غلام فلا يكتب حتى أتى  على ذلك أيامًا ، فكنا نقول له فقال: إنكما قد أكثرتما عليَّ فاعرضا عليَّ ما كتبتما، فأخرجنا إليه ما كان عندنا فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها على ظهر قلب حتى جعلنا نُحْكِمُ كُتُبَنا من حفظه».
مشايخه
ولما كان عدد مشايخه أكثر من أن نحصره في هذا البحث، فإننا سنذكر أشهرهم، فقد سمع من: مكي بن إبراهيم البلخي، وعبدان بن عثمان المروزي، وعبيد الله ابن موسى العبسي، وأبي عاصم الشيباني، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، ومحمد بن يوسف الفريابي، وأبي نعيم الفضل بن دكين، وأبي غسان الهندي، وسليمان بن حرب الواشجي، وأبي سلمة التبوذكي، وعفان بن مسلم، وعارم بن الفضل، وأبي الوليد الطيالسي، وأبي معمر المنقري، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وأبي بكر الحميدي، وعبد الله بن يوسف التنيسي، وأبي اليمان الحمصي، وأحمد بن حنبل، وإسمـٰعيل بن أبي أويس المديني، ويحيى بن معين، وخلق كثيرين غيرهم.
أقوال العلماء فيه
روي أن الإمام البخاري رأى نفسه في المنام واقفًا أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيده شىء يَذُبُ به عن رسول الله ولما سأل عن تأويل ذلك قال له بعض المعبرين :  أنت تذّبُ الكذبَ عن رسول الله.
جاء في «تهذيب الأسماء واللغات» عن حاشد بن إسمـٰعيل أنه قال: «رأيت إسحـٰـق بن راهويه جالسًا على سرير ومحمد بن إسمـٰعيل معه، فأنكر عليه محمد شيئًا فرجع إسحـٰـق إلى قول محمد، وقال إسحـٰـق: يا معشر  أصحاب الحديث، اكتبوا عن هذا الشاب، فإنه لو كان في زمن الحسن البصري لاحتاج الناس إليه لمعرفته بالحديث وفهمه».
وجاء في «البداية والنهاية» عن ابن خزيمة أنه قال: «ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحفظ له من البخاري».
وقال فيه إسحـٰـق بن زيرك: «سمعت في سنة سبع وأربعين ومائتين محمد بن إدريس الرازي أبا حاتم يقول: يقدم عليكم رجل من أهل خراسان لم يخرج منها أحفظ منه، ولا قدم العراق أعلم منه، فقدم علينا محمد بن إسمـٰعيل بعد أشهر».
ومما قاله الإمام المجتهد أحمد بن حنبل رضي الله عنه في مدحه وبيان مرتبته: «انتهى الحفظ إلى أربعة من أهل خراسان:  أبو زرعة الرازي، ومحمد بن إسمـٰعيل البخاري، وعبد الله بن عبد الرحمـٰن السمرقندي، والحسين بن شجاع البلخي».
وجاء في طبقات السبكي عن محمد بن أبي حاتم وراق البخاري أنه قال: «سمعته يقول: ذاكرني أصحاب عمرو بن علي بحديث فقلت: لا أعرفه، فسُرُّوا بذلك وساروا إلى عمرو بن علي فقالوا له: ذاكرنا محمد بن إسمـٰعيل بحديث فلم يعرفه، فقال عمرو: حديث لا يعرفه محمد بن إسمـٰعيل ليس بحديث».
وجاء أيضًا في طبقات السبكي عن أحمد بن حمدون قوله: «جاء مسلم بن الحجاج إلى البخاري فقَبَّل بين عينيه وقال: أُقَبّل رجليك يا أستاذ الأستاذين ويا سيد المحدثين، ويا طبيب الحديث في علله».
وقال حاشد بن إسمـٰعيل: «كنت بالبصرة فسمعت قدوم محمد بن إسمـٰعيل، فلما قدم قال محمد بن يسار: دخل اليوم سيد الفقهاء».
وقد روي عن أبي سهل الشافعي أنه قال: «دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها، فكلما ذُكر محمد بن إسمـٰعيل فضلوه على أنفسهم».
وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: «قلت لأبي: يا أبت ما الحفاظ قال: يا بُنيَّ شباب كانوا عندنا من أهل خراسان وقد تفرقوا، قلت: من هم يا أبت قال: محمد ابن إسمـٰعيل ذاك البخاري».
ومما قاله إبراهيم الخواص في البخاري: «رأيت أبا زرعة كالصبي جالسًا بين يدي محمد بن إسمـٰعيل يسأله عن علل الحديث».
مؤلفاته
لقد كان البخاري من أفذاذ العلماء الذين تركوا وراءهم المؤلفات العظيمة النافعة، وكان رضي الله عنه من أقدر الناس على التأليف وأمهرهم. وقد كثرت مؤلفاته التي نذكر أشهرها:
الجامع الصحيح: وهو المشهور بصحيح البخاري، الأدب المفرد: وهو من مؤلفاته القيمة، أسامي الصحابة، التاريخ: وهو كتاب جمع فيه الثقات والضعفاء من رواة الحديث. وهو ثلاثة كُتُب: كبير ووسط وصغير، التفسير الكبير، الجامع الكبير، خلق أفعال العباد، خير الكلام في القراءة خلف الإمام، كتاب الضعفاء والمتروكين، كتاب العلل في الحديث، كتاب الفوائد، القراءة خلف الإمام، قضايا الصحابة والتابعين، كتاب المبسوط في الحديث، المسند الكبير، كتاب الوحدان: وهو كتاب جمع فيه كل من ليس له إلا حديث واحد من الصحابة.
وفاته
توفي رحمه الله يوم السبت ليلة عيد الفطر من سنة ست وخمسين ومائتين للهجرة، عن عمر يناهز اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يومًا. ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر بقرية «خَرْتَنْك»، وهي قرية من قرى سمرقند.
وقد روى ابن عُدَي عن عبد القدوس بن عبد الجبار السمرقندي أنه قال: «جاء الإمام البخاري إلى خرتنك وكان له بها أقرباء ينزل عندهم، فسمعته ليلة وقد فرغ من صلاة الليل يقول في دعائه: اللهم ضاقت عليَّ  الأرض بما  رحبت فاقبضني إليك، فما تم الشهر حتى قبضه الله تعالى».
رحم الله الإمام البخاري وجزاه الله عنا خيرًا.                                                                




الاثنين، ديسمبر 27، 2010

إبراهيم بن أدهم الصوفي الذي ترك الملك لأجل الآخرة

ترجمته
هو  أبو إسحـٰـق إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد العِجلي البلخي، ولد ببلخ وهي المدينة العظيمة التي شهدت أكبر حركة تنزع نحو التصوف والإقبال على الآخرة. قال ابن معين: هو من العرب من بني عجل، وقال قتيبة: هو تميمي كان بالكوفة، وقال الفضل الشيباني: حج أبوه أدهم بأمه فولدت إبراهيم بمكة فجعلت تطوف به في المسجد وتقول للناس: ادعوا لابني أن يجعله الله رجلًا من الصالحين.
جملة من مناقبه
لقد كان إبراهيم بن أدهم واحدًا من هؤلاء الصالحين الذين كانوا من أبناء الملوك، إذ كان والده ملكًا من ملوك خراسان وكان سبب زهده أنه خرج مرة إلى الصيد فسمع هاتفًا يقول له: يا إبراهيم، ما لهذا خُلِقْتَ ولا بذا أُمرتَ، فحلف ألا يعصي الله تعالى، وترك ملك أبيه فأكثر من السفر في طلب العلم والازدياد من الطاعات.
هذه الحادثة وغيرها دعته إلى الإعراض عن الدنيا والإقبال على الطاعات، ومما  جاء في تفصيل هذه الحادثة ما رواه الحافظ أبو نعيم في «حلية الأولياء» على لسانه أنه قال: لقد كان أبي من أهل بلخ وكان من ملوك خراسان، وكان من المياسر وحبب إلينا الصيد فخرجت راكبًا فرسي وكلبي معي، فبينما أنا كذلك إذ ثار أرنب أو ثعلب فحركت فرسي فسمعت نداء من ورائي: يا إبراهيم، ما  لذا خُلِقْتَ، ولا بذا أُمرتَ، فوقفت أنظر يمنة يسرة فلا أرى أحدًا، ثم حركت فرسي فسمعت نداءً أجهر من الأول: يا إبراهيم ما لذا خلقت ولا بذا أُمرت، ثم عاد الهاتف مرة ثالثة فقال كما قال في الأولى والثانية، فقلت: أنبهتَ.. أنبهتَ، جاءني نذير من رب العالمين، والله لا عصيتُ الله بعد يومي هذا ما عصمني ربي.
وروى جلال الدين الرومي أن رجال الحراسة في مقر إبراهيم سمعوا ذات ليلة ضجة كبيرة فوق سطح القصر، فإذا بقوم يدعون أنهم يبحثون عن إبلهم الضالة، فاقتيدوا إليه فسألهم: هل حدث  أن تفقَّد امرؤ إبله فوق سطوح المنازل فقالوا: نحن لا نعمل إلا اقتداءً بك أنت الذي تسعى إلى الفناء في حب الله في الوقت الذي أنت فيه جالس على عرشك، فهل لرجل في مثل هذا المقام أن يكون قريبًا من الله فهرب من القصر ولم يَرَه أحد منذ ذلك الحين.
ومن ذلك أيضًا أنه نام يومًا فرأى رجلًا  بيده كتاب فتناوله وفتحه فإذا فيه مكتوب بالذهب: لا تؤثرنَّ فانيًا على باقٍ ولا تفرحنَّ بملكك، فإن ما أنت فيه جسيم إلا أنه عديم، فانتبه من نومه فزعًا وقال: هذا تنبيه من الله وموعظة.
زهده وأمانته
ترك إبراهيم بن أدهم المُلك والجاه فكان يلبس في الشتاء فروًا ليس تحته قميص، وفي الصيف شقة بدرهمين، ولم يكن يلبس خفين ولا عمامة، وكان كثير الصيام في السفر والحضر، قليل النوم كثير التفكر، وكان يأكل من عمل يده في  حصاد الزرع وحراسة البساتين.
ومما يروى عن زهده وأمانته ما رواه أبو نُعَيم في حليته عن داود بن الجراح أن إبراهيم بن أدهم كان يحرس بستانًا في غزة فجاء صاحب البستان ومعه أصحابه فقال له: إيتنا بعنب نأكل، فأتاه بعنب فإذا هو حامض، فقال صاحب البستان: من هذا تأكل قال: لا ءاكل من هذا ولا من غيره، قال له: فأتني برمان، فأتاه برمان فإذا هو حامض، فقال: من هذا تأكل قال إبراهيم: لا ءاكل من هذا ولا من غيره، ولكن رأيته أحمر حسنًا فظننت أنه حلو، فقال صاحب البستان: لو كنت إبراهيم بن أدهم ما عدا! قال ذلك وهو لا يعرف أنه هو.
وروى أبو نعيم عن أبي إسحـٰـق الفزاري أنه قال: كان إبراهيم بن أدهم في شهر رمضان يحصد الزرع بالنهار ويصلي بالليل، فمكث ثلاثين يومًا لا ينام بالليل ولا بالنهار.
وعن يحيى بن عثمان عن بقية أنه سأل رفيقًا لإبراهيم: أخبرني عن أشد شىء مَرَّ بك منذ صحبته، فقال: كنا يومًا صائمين فلما كان الإفطار لم يكن عندنا شىء نفطر عليه، فأتينا باب الرستن فأكرينا أنفسنا لرجل في حصاد بستانه ونحن صيام، فلما كان المساء أخذنا أجرتنا فأتيت السوق فاشتريت ما احتجت إليه وتصدقت بالباقي، فقال إبراهيم:  أما نحن فقد استوفينا أجرينا فليت شعري هل وفيناه حقه أم لا فلما رأيت ذلك غضبت، فلما رأى غضبي قال: لا بأس، تضمن لي أنّا أوفيناه عمله فأخذت منه الطعام فتصدقت به، فهذا أشد شىء مر بي منذ صحبته.
ومما يؤكد زهده وعزوفه عما في أيدي الناس ما رواه أبو الحسين الجرجاني عن علي بن بكار أنه قال: كنا جلوسًا عند الجامع بالمصيصة (وهي مدينة في الشام يقال لها المنصورة أيضًا) وفينا إبراهيم بن أدهم، فقدم رجل من خراسان فقال: أيكم إبراهيم بن أدهم فقال القوم: هذا، فقال: إن إخوتك بعثوني إليك، فلما سمع ذكر إخوته قام فأخذه بيده ونحّاه فقال: ما جاء بك قال: أنا مملوكك مع فرس وبغلة وعشرة ءالاف درهم بعث بها إليك إخوتك، فقال: إن كنتَ صادقًا فأنت حر وما معك فلك، اذهب فلا تخبر أحدًا.
ومن أخبار أمانته ما ذكره ابن الجوزي في «صفة الصفوة» عن أحمد بن داود أنه قال: مر يزيد بإبراهيم بن أدهم وهو ينظر بستانًا فقال: ناولنا من هذا العنب، فقال إبراهيم: ما أذنَ لي صاحبه، فقلب يزيد السوط وجعل يضربه به، فطأطأ إبراهيم رأسه وقال: اضرب رأسًا طالما عصى الله عز وجل، فتوقف الرجل عنه.
كراماته
معلوم عند المسلمين أن بعض الأولياء يصدر منهم كرامات، وهي أمور خارقة للعادة تكون دليلاً على صدق اتباعهم لنبيهم. وقد كثر في أمة محمد صلى الله عليه وسلم الكرامات، وكان إبراهيم بن أدهم واحدًا من أولئك الذين حصلت على أيديهم أمور كهذه، منها ما ذكره يوسف النبهاني في «جامع كرامات الأولياء» وهو أن قومًا أتوا إلى إبراهيم بن أدهم فقالوا: يا أبا إسحـٰق، إن الأسد واقف على طريقنا، فأتى إبراهيم إلى الأسد فقال: يا أبا الحارث إن كنتَ أُمِرْتَ فينا بشىء فامض لما أُمرتَ به، وإن لم تؤمر بشىء فتنحَّ عن طريقنا، فأدبر الأسد يهمهم.
وفي «روض الرياحين» كرامة  أخرى له، وهي أنه أراد ركوب سفينة، فأبى الملاح إلا أن يأخذ دينارًا، فصلى إبراهيم ركعتين وقال: اللهُمَّ إنهم سألوني ما ليس عندي وهو عندك كثير، فصار الرمل دنانير فأخذ واحدًا دفعه له ولم يأخذ غيره.
ومن كراماته التي حصلت له في المصيصة أنه خرج إلى مرج من مروج الشام فالتقى بأناس  يوقدون نارًا حولهم خوف السباع، فطلبوا منه أن ينضم إليهم فأبى وجلس في ناحية وحيدًا، وبينما هو يصلي الليل إذ أتته ثلاثة أسود فتقدم الأول إليه فشمه وطاف حوله ثم تنحى ناحية فربض، ثم جاء الثاني ففعل كفعل الأول، ثم الثالث  ففعل كفعل الأولين، فلما  دخل السَّحَر  قال للأسود: ما الذي جاء بكم أتريدون أن تأكلوني امضوا، فقامت الأسود فتركته وذهبت، وكل ذلك على مرأى من القوم.
حِكَمه ومواعظه
من جملة حِكَمه التي أُثرت عنه ما قاله في رسالة إلى سفيان الثوري يقول فيها: مَنْ عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، ومن أطلق بصره طال أسفه، ومن أطلق أمله ساء عمله، ومن أطلق لسانه قتل نفسه.
ومن درره الحِكَمية قوله: «قلة الحرص والطمع تورِث الصدق والورع، وكثرة الحرص والطمع تورث الهم والجزع».
وعن أحمد بن خضرويه أن إبراهيم بن أدهم قال لرجل في الطواف حول الكعبة: «اعلم أنك لا تنال درجة الصالحين حتى تجوز ست عقبات: أولاها أن تغلق باب النعمة وتفتح باب الشدة، والثانية أن تغلق باب العز وتفتح باب الذل، والثالثة أن تغلق باب الراحة وتفتح باب الجهد، والرابعة أن تغلق باب النوم وتفتح باب السهر، والخامسة أن تغلق باب الغنى وتفتح باب الفقر، والسادسة أن تغلق باب الأمل  وتفتح باب الاستعداد للموت».
وفاته
ذكر صاحب «جامع كرامات الأولياء» أنه توفي في بلاد الشام سنة مائة واثنين وستين للهجرة، وأنه دفن في جبلة من سواحل سوريا، وروى عن المنادي أنه قال: وقد زرته والحمد لله في جبلة وحصلت لي بركته، وله مزار عظيم وجامع كبير قديم، وأوقاف كثيرة. وقال ابن الجوزي في «صفة الصفوة» إنه توفي بالجزيرة وحمل إلى صور فدفن فيها.      


الأربعاء، ديسمبر 22، 2010

الخليفة الورع التقي: هارون الرشيد

ترجمته

هو الخليفة الخامس من الخلفاء العباسيين هارون الرشيد بن محمد المهدي رضي الله عنه، بويع له بالخلافة بعد موت أخيه الهادي سنة مائة وسبعين هجرية، ووُلِد له ولده المأمون، فكانت ليلة مات فيها خليفة، وولّي خليفة، وولد خليفة، أمه الخيزران أم الهادي وهي أم الخلفاء العباسيين.

صفته وأخلاقه وحياته

كان هارون الرشيد رحمه الله أبيض، طويلاً، جميلاً، مليحًا، جسيمًا، قد خطه الشيب، وهو من أجلّ ملوك الأرض، كريمًا سخيًا يتصدق من خالص ماله كل يوم بألف درهم وكان يحب العلم والعلماء. حُكي أنَّ أبا معاوية الضرير قال: أكلت مع الرشيد يومًا فصبَّ على يديّ رجل لا أعرفه، ثم قال الرشيد: أتدري من صبَّ على يديك قلت: لا، قال: أنا إجلالا للعلم.

اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره، وزراؤه البرامكة، وقاضيه أبو يوسف رحمه الله، وشاعره مروان بن أبي حفصة، ونديمه العباس بن محمد بن عم أبيه، وزوجته زبيدة صاحبة الخيرات والمكرمات التي جرّت الماء إلى أرض عرفة عقب رؤية رأتها، وحاجبه الفضل بن الربيع من أبهى الناس وأعظمهم، في أيامه اصطنعت الساعة، وهو الذي أهدى الساعة الشهيرة إلى شارلمان ملك فرنسا وقتئذ. ومن فضائله أنّه كان يغزو عامًا ويحج عامًا، وءاخر حَجَّةٍ حجّها ماشيًا عليه رحمات الله.

أما ما يذكره بعض المؤرخين والقصاصين من أنه كان يتعاطى المنكرات والمسكرات، وأنّه كان ينهمك في اللهو واللذات والشهوات، وما يذكرونه عن أبي النواس الحسن بن هانئ من الحكايات والخزعبلات مع الرشيد فكله كذب لا أصل له، ولا يجوز نقله والتكلم به إلا لبيان أنه كذب ودس وتشويه للتاريخ الإسلامي، وهذا كثير في كتب التاريخ. وانظر أيها المنصف إلى كتاب «الخراج» الذي أَلَّفهُ أبو يوسف القاضي رحمه الله لهارون الرشيد تعرف وتتحقق مقام الرشيد في العلم والدين.

رؤيته للرسول صلى الله عليه وسلم في المنام

لما ولي هارون الرشيد الخلافة رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له: «إنّ هذا الأمر قد صار إليك فاغز وحُجّ ووسّع على أهل الحرمين»، فجهز الجيوش وغزا في أطراف بلاد الروم وظفر وحجّ بالناس ماشيًا، وفرّق في الحرمين مالا كثيرًا، فعل ذلك كله في عام واحد.

بكاؤه من خشية الله

دخل ابن السماك على هارون الرشيد يومًا فاستسقى الرشيد، أي طلب الماء، فأتى بكوز فلما أخذه قال له ابن السمّاك: على رسلك يا أمير المؤمنين، لو منعت هذه الشربة بكم تشتريها قال: بنصف ملكي، قال: اشرب هنأك الله، فلما شرب قال: أترى لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشتري خروجها، قال: بنصف ملكي الآخر، قال: إنَّ مُلْكًا قيمته شربة ماء لجدير أن لا يتنافس فيه. فبكى الرشيد رحمه الله تعالى.

ولقد حُكي عنه أنه انتقى أكفانه بيده وكان ينظر إليها ويقول ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ (سورة الحـاقة/آية 28-29).

شهادة هارون لأبي حنيفة

نشأ أبو يوسف القاضي رحمه الله يتيمًا وصحب أبا حنيفة وتعلم منه، وطالت صحبته لأبي حنيفة على أمّه، مع إعراضه عن تعلّم حرفة يعيش بها، فحضرت عند أبي حنيفة وعاتبته على ذلك فقال لها: قري عينًا، ها هو ذا يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق، ولما كبُر وصار قاضي القضاة وأكله عند الرشيد ذُكر ذلك للرشيد، فقال الرشيد: «إنَّ أبا حنيفة كان ينظر بنور الله».

وفاته رحمه الله

توفي هارون الرشيد في الغزو بطوس من بلاد خراسان وبها دُفن في ثالث جمادى الآخرة، سنة ثلاث وتسعين ومائة، عن خمس وأربعين من عمره. وقيل إنه رأى في المنام أنه يموت بطوس فبكى وقال: احفروا لي قبرًا فحفروا له، ثم حمل وهو مريض في قبة على جمل حتى نظر إلى القبر فقال: «يا ابن ادم تصير إلى هذا» ثم أمر قومًا فنزلوا القبر وقرأوا فيه ختمة من القرءان وهو على شفير القبر، وعهد بالخلافة لولده الأمين وهو حينئذ ببغداد. وكانت مدةُ خلافته ثلاثًا وعشرين سنة وشهرين ونصف. فسبحان الحيّ الذي لا يموت، ورحم الله الخليفة الورعَ النقي هارون الرشيد.
________________________________________

نقلا عن موقع جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية

الاثنين، ديسمبر 20، 2010

الإمام الأوزاعي

ترجمته

هو أبو عمرو عبد الرحمـٰن بن عمرو بن يُحْمَد الأوزاعي، نسبة إلى الأوزاع وهي قبيلة يمنية نزل أناس منها في قرية من قرى دمشق عند باب الفراديس فسميت باسمهم وظلت معروفة إلى القرن التاسع الهجري ثم شملها العمران فاندثرت. وقيل إنه سمي بذلك لنزوله في هذه المحلة.

وقال بعض النسابين إن الأوزاع في الأصل بطن من ذي الكلاع ملك حِمْير، وبنو حمير من العرب القحطانيين في اليمن، خرجوا وتفرقوا في البلاد بعد حادثة سد مأرب الذي فاضت مياهه فأغرقت القرى، أما ياقوت الحموي فقال إنه ينتسب إلى بني همدان التي هي قبيلة يمنية كان منها رجال أبطال جاهدوا في الإسلام جهادًا عظيمًا.

ولد الإمام الأوزاعي في بعلبك سنة ثمانية وثمانين للهجرة ونشأ يتيمًا في حجر أمه التي كانت تنتقل به من بلد إلى أخر ومن عالم إلى أخر، فنشأ تنشئة دينية صالحة، وكان يتنقل بين الشام واليمن والحجاز والبصرة وغيرها طالبًا العلم يستقيه من مناهله العذبة الطاهرة.

من مناقبه

روى الحافظ أبو نُعيم في «حلية الأولياء» أن أبا جعفر المنصور قد بعث إلى الإمام الجليل الأوزاعي، فلما دخل عليه قال المنصور: ما الذي أبطأ بك عنا يا أوزاعي؟ قال: وما الذي يريده أمير المؤمنين؟ قال المنصور: أريد الأخذ عنكم والاقتباس منكم، فقال الإمام: انظر لا تجهل شيئًا مما أقول، قال المنصور: كيف أجهله وأنا أسألك عنه وقد وجهت فيه إليك؟ قال: أن تسمعه ولا تعمل به، فصاح الربيع به، وأخذ السيف بيده، فانتهره المنصور وقال للربيع: هذا مجلس مثوبة لا عقوبة، فحينئذٍ قال الإمام الأوزاعي: يا أمير المؤمنين، حدثني مكحول عن عطية بن بسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما عبد جاءته من الله موعظة في دينه فإنها نعمة من الله سيقت إليه، فإن قَبِلها بشكر وإلا كانت حجة من الله عليه ليزداد بها إثمًا ويزداد الله عليه بها سخطًا» رواه البيهقي، يا أمير المؤمنين، حدثني مكحول عن عطية بن بسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما والٍ بات غاشًا لرعيته حرم الله عليه الجنة» رواه البيهقي، يا أمير المؤمنين، إن الذي يُلين قلوب أُمَّتكم لكم حين وليتم أمورها قرابتكم من نبيكم صلى الله عليه وسلم، وقد كان بهم رؤوفًا رحيمًا مواسيًا نفسه بهم في ذات يده، وإنك عند الناس لحقيق أن تقوم فيهم بالحق وأن تكون بالقسط فيهم قائمًا ولعوراتهم ساترًا، لم تغلق عليك دونهم الأبواب، ولم تُقِم عليك دونهم الحُجَّاب، تبتهج بالنعمة عندهم وتبتئس بما أصابهم من سوء.

ولم يكن هذا إلا نزرًا يسيرًا من الموعظة التي وعظ الإمام الأوزاعي أبا جعفر المنصور إياها، وهي موعظة طويلة فيها من المعاني العظيمة والحِكَم ما جعل المنصور يبكي بكاءً شديدًا.

وذلك كان شأن الإمام الأوزاعي الذي كان لا يبخل بالنصيحة في موضعها عملا بقول الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (ءال عمران/ءاية 110).

مشايخه

نشأ في بلدة الكرك من البقاع حيث تلقى مبادئ العلوم وحفظ القرءان الكريم وحظًا من اللغة، ثم توجه إلى دمشق حيث لازم مكحولا الذي كان فقيه الشام آنذاك وواحدًا من حفاظ الحديث، فأخذ عنه الكثير وقرأ عليه الكثير حتى عُدَّ مكحول معلم الأوزاعي.

ثم رحل إلى اليمامة حيث أخذ عن يحيى بن كثير وانقطع إليه زمنًا، كما كان له صلة بآل البيت كالإمام زيد بن علي زين العابدين والإمام محمد الباقر، والإمام جعفر الصادق رضوان الله عليهم وغيرهم.

وتلقى الحديث والفقه عن عطاء بن أبي رباح أحد أعلام التابعين، وقتادة وهو أحد أعلام المفسرين واللغويين، ومحمد بن شهاب الزهري أحد أئمة المدينة المنورة، ونافع بن عمر الذي أخذ الأوزاعي عنه علم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. وبقي الإمام دائبًا على تلقي العلوم الإسلامية ومتتبعًا أثار الصحابة والتابعين حتى اكتملت عنده شروط الاجتهاد فصار مجتهدًا مطلقًا سديدًا موفقًا في اجتهاداته، وسار مذهبه في بلاد الشام والمغرب والأندلس قريب المائتي سنة.

صفاته وأخلاقه

لقد كان الإمام إلى جانب علمه رجلاً زاهدًا ورعًا تقيًا كثير العبادة قليل الكلام؛ فقد ورد عن الوليد بن مسلم أنه قال عنه: ما رأيت أحدًا أكثر اجتهادًا من الأوزاعي في العبادة، وكان إذا صلى الصبح جلس يذكر الله تعالى حتى طلوع الشمس.

أما ابن عساكر فقد قال عنه: كان الأوزاعي كثير العبادة حسن الصلاة، ورعًا، طويل الصمت.

وكان رضي الله عنه كثير البكاء والتهجد والابتهال في دعائه ، ولم يُرَ قط ضاحكًا يقهقه بل كان غاية ذلك أن يبتسم، وكان لا يبكي في مجلسه، فإذا دخل بيته كان يبكي حتى يشفق عليه.

ويروى أن امرأة دخلت على امرأة الإمام فرأت الحصير الذي يصلي عليه مبلولاً فقالت: لعل الصبي بال هنا؟ فقالت: هذا أثر دموع الشيخ في سجوده، هكذا يصبح في كل يوم.

استوطن بيروت مع زوجه وأولاده، فقد روى الحافظ أبو نعيم في «حلية الأولياء» عن الإمام الأوزاعي أنه قال: أعجبني في بيروت أني لما مررت بقبورها رأيت امرأة سوداء فقلت لها: أين العمارة يا هنتاه؟ فقالت: إن أردت العمارة فهي هذه (وأشارت إلى القبور)، وإن أردت الخراب فأمامك (مشيرة إلى البلدة)، قال: فعزمت على الإقامة فيها، وذلك لما لمس فيها من الزهد والتقوى آنذاك.

مواعظه ورسائله

لقد كان الإمام الأوزاعي ذا باع طويل في البلاغة وحسن البيان بحيث يفوق الكثير من أعلام الأدب في عصره، وكانت عباراته صادقة اللهجة متينة السبك قوية المعاني، وقد ظهر ذلك في ناحيتين اثنتين:

مجالسه التي كان يعقدها، ومراسلاته إلى الأمراء والعلماء وطلاب العلم.

ومن هذه الرسائل ما أرسله إلى أبي جعفر المنصور بعدما وقع الألوف من المسلمين أسرى لدى الروم وأبى المنصور أن يفادي بهم، فأرسل إليه الإمام الأوزاعي رسالة فيها: «أما بعد فإن الله تعالى استرعاك أمر هذه الأمة لتكون فيها بالقسط قائمًا وبنبيه صلى الله عليه وسلم في خفض الجناح والرأفة متشبهًا، وأسأل الله تعالى أن يسكن على أمير المؤمنين دهماء هذه الأمة ويرزقه رحمتها، فإن سايحة المشركين غلبت عام أول وموطؤهم حريم المسلمين، واستنزالهم العواتق والذراري من المعاقل والحصون، وكان ذلك بذنوب العباد، وما عفا الله عنه أكثر، فبذنوب العباد استنزلت العواتق والذراري من المعاقل والحصون، لا يلقون لهم ناصرًا ولا عنهم مدافعًا، كاشفات عن رؤوسهن وأقدامهن... وقد بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني لأسمع بكاء الصبي خلفي في الصلاة فأتجوز فيها مخافة أن تفتتن أمه»، فكيف بتخليتهم يا أمير المؤمنين في أيدي عدوهم يمتهنونهم ويتكشفون منهم ما لا نستحله نحن إلا بنكاح؟ وأنت راعي أحكام الله، والله تعالى مستوفٍ منك» فلما وصله الكتاب أمر بالفداء.

ومن رسائله أيضًا ما بعث به إلى أخ له يقول له فيه: «أما بعد فإنه قد أحيط بك من كل جانب، واعلم أنه يُسار بك في كل يوم وليلة، فاحذر الله والمقام بين يديه، وأن يكون ءاخر العهد بك، والسلام».

ومن أقواله وحكمه قوله في موعظة له: «تقوَّوا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة، التي تطَّلع على الأفئدة، فإنكم في دار الثواء فيها قليل، وأنتم عما قليل منها راحلون، خلائف بعد القرون الماضية الذين استقبلوا من الدنيا أنفها وزهرتها، فهم كانوا أطول منكم أعمارًا وأمد أجسامًا، وأعظم إجلالًا ، وأكثر أموالاً وأولادًا، فخدَّدوا الجبال وجابوا الصخور بالواد، وتنقلوا في البلاد مؤيدين ببطش شديد وأجساد كالعماد، فما لبثت الأيام والليالي أن طويت ءاثارهم، وتغيرت منازلهم وديارهم، فهل تُحسُّ منهم من أحد أو تسمع لهم ركزًا، كانوا يتطلبون الدنيا ويطيلون الأمل ءامنين، وعن ميقات يوم موتهم غافلين، فآبوا إياب قوم نادمين، ثم إنكم علمتم الذي نزل بساحتهم بيانًا من عقوبة الله، فأصبح كثير منهم في ديارهم جاثمين، وأصبح الباقون المتخلفون ينظرون في نعم الله وينظرون في نقمته وزوال نعمته عمن تقدمهم من الهالكين، ينظرون في مساكن خالية قد كانت بالعز محفوفة، وبالنعم معروفة، والقلب إليها مصروف والأعين إليها ناظرة».

ومن مواعظه قوله: «مَنْ أكثر من ذكر الموت كفاه اليسير، ومَنْ علم أن منطقه مِنْ عمله قَلَّ كلامه».

وقال أيضًا واعظًا: «عليك بآثار مَنْ سلف وإن رفضك الناس، وإياك وأقوال الرجال وإن زخرفوها وحسنوها».

وروى عبد الله بن إسمـٰعيل ابن بنت الإمام عن أبيه أنه قال: وجدت في كُتُب الأوزاعي بخط يده: «يا ابن ءادم اعمل لنفسك وبادر فقد أتيت من كل جانب، واعول كعويل الأسير المكبل، ولا تجعل بقية عمرك للدنيا، وطلبها في أطراف الأرض، حسبك ما بلغك منها، ستسلم طائعًا وتعز بيوم فقرك وفاقتك واسعًا في طلب الأمان، فإنك في سفر إلى الموت يطرد بك نائمًا ويقظان، واذكر سهر أهل النار في خُلد أبدًا، وتخوَّف أن ينصرف بك من عند الله إلى النار، فيكون ذلك ءاخر العهد بالله عز وجل وينقطع الرجاء، واذكر أنك قد راهقت الغاية وإنما بقي الرمق، فسدد تصبرًا وتكرمًا، وارغب عن أن تفني بقية عمرك للدنيا، وخذ منها ما يفرغك لآخرتك، ودع من الدنيا ما يشغلك عن الآخرة».

ومن أقواله المأثورة: اصبر على السنة وقفْ حيث يقف القوم، وقل ما قالوا، وكُفَّ عما كفوا، وليسعك ما وسعهم.

كل ذلك يظهر بكل وضوح أثر مواعظ الإمام الأوزاعي وحكمه في نفوس الناس، وفي ذلك يقول ضمرة: ما تكلم الأوزاعي بكلمة إلا كان المتعين على من يسمعها من جلسائه أن يكتبها عنه لحسنها.

وقال العباس بن الوليد بن مزيد: ما رأيت أبي يتعجب من شىء رءاه في الدنيا، تعجبه من الأوزاعي، وكان يقول: سبحان الله يفعل ما يشاء ما سمعت منه كلمة قط إلا رغب مستمعها في حفظها وإثباتها.

وحسبنا ما قاله أبو حاتم الرازي في بيان كلام الإمام ومراسلاته: كان الأوزاعي لا يلحن في كلامه، وكانت كتبه ترد على الخليفة المنصور فينظر فيها ويتأملها ويتعجب من فصاحتها وحلاوة عبارتها، وقد قال يومًا لأحظى كُتّابه: ينبغي أن تُجيب الأوزاعي على كُتُبه، فقال: والله يا أمير المؤمنين لا يقدر أحد من أهل الأرض على مثل كلامه ولا على شىء منه، وإنا لنستعين بكلامه فيما نكاتب به الآفاق إلى من لا يعرف كلام الأوزاعي.

ثناء العلماء عليه

قال سفيان بن عيينة فيه: كان الأوزاعي إمام زمانه، وعن عباس بن زياد قال: كان أبي يقول: يا بني، عجز الملوك أن يؤدبوا أنفسهم وأولادهم أدبه في نفسه.
وقال إسمـٰعيل بن عياش: سمعت الناس سنة أربعين ومائة يقولون : الأوزاعي اليوم عالم الأمة.
وقال يحيى بن معين: العلماء أربعة: الثوري وأبو حنيفة ومالك والأوزاعي.
وقال محمد بن شعيب: قلت لأميمة بن يزيد: أين الأوزاعي من مكحول؟
قال: هو عندي أرفع من مكحول، إنه قد جمع العبادة والعلم والقول الحق.
وأما ابن سعد فقد قال فيه: كان الأوزاعي ثقة مأمونًا فاضلًا خيرًا كثير الحديث والعلم والفقه.

وعن عبيد بن حيان قال: أتيت مجلس مالك بن أنس وهو عنه غائب فقلت لأصحاب مالك: ما يقول أبو عبد الله في مسألة كذا وكذا؟ فأجابوا، فقلت: ما هكذا يقول أبو عمرو (يعني الأوزاعي) إنه يقول كذا وكذا، بخلاف ما قالوه، فتضاحكوا، ولما أقبل الإمام مالك وجلس قالوا: يا أبا عبد الله أتسمع ما يحدث الشامي عن الأوزاعي؟ فقلت: ما تقول أنت في مسألة كذا وكذا؟ فأجاب بمثل جوابهم، فقلت: ما هكذا يقول أبو عمرو، فتضاحكوا وعلت الإمام سكتة فأخلد برأسه الأرض مليًا، ثم رفع رأسه وقال: إن القول ما قاله أبو عمرو، فرأيتهم وقد عاد ما بي من الحال بهم.

وفاته

روى عقبة بن علقمة البيروتي في سبب وفاة الإمام الأوزاعي أنه دخل حمام منزله في يوم شديد البرودة، فأدخلت زوجته معه موقدًا فيه فحم وقاية من البرد، وأغلقت باب الحمام فمات بسبب الفحم، وكان ذلك يوم الأحد لليلتين بقيتا من صفر، وقيل من ربيع الأول سنة مائة وسبعة وخمسين للهجرة وهو في التاسعة والستين من عمره.

قال ابن مسهر: لم تكن امرأته عامدة، فأمرها قاضي بيروت سعيد بن عبد العزيز بعتق رقبة.
وكان يومًا مشهودًا حضره أعداد لا تكاد تحصى من المسلمين وغيرهم، فقد روى العباس بن الوليد بن مزيد عن سالم بن المنذر قال: سمعت الصيحة بوفاة الأوزاعي، فخرجت، فأول من رأيت نصراني قد ذر على رأسه الرماد والمسلمون من أهل بيروت يعرفون ذلك، ودفن الإمام رحمه الله خارج بيروت قرب شاطئ البحر، وبين الصنوبر بأرض قرية يقال لها حنتوس وهو مدفون في قبلة حائط مسجدها.

رحم الله الإمام الأوزاعي ودفع به عنا البلايا إنه على كل شىء قدير.
________________________________________